لم يعد التريند مجرد موضوع نراه على شاشة الهاتف ثم ننتقل إلى غيره. في أحيان كثيرة، أصبح التريند هو الذي يحدد لنا ما الذي نتحدث عنه، وما الذي نغضب منه، وما الذي نضحك عليه، بل وما الذي نعتبره قضية عامة.
ولعل ظاهرة «قاع الهامور» التي انتشرت خلال الأيام الماضية في مصر تقدم نموذجًا يستحق التوقف أمامه، ليس لأنها بالضرورة تحمل رسالة سياسية أو هدفًا خفيًا، فلا توجد أمامنا أدلة -الي الان- تثبت ذلك، وإنما لأنها تكشف شيئًا أكبر من التريند نفسه: قدرة الفضاء الرقمي على صناعة مجتمع افتراضي كامل في وقت قصير جدًا. وقد تحولت الفكرة بالفعل إلى مساحة واسعة للسخرية والتعليق على تفاصيل الحياة اليومية ومشكلاتها.
المشكلة إذن ليست في «قاع الهامور» تحديدًا، وإنما في السؤال الذي يطرحه: هل نحن من يصنع التريند، أم أن التريند أصبح يصنعنا؟
في الماضي، كان الحشد يحتاج إلى قيادة، وتنظيم، ومكان، ووقت. أما اليوم، فقد يكفي مقطع قصير، أو صورة، أو هاشتاج، لكي تتحول فكرة فردية إلى حالة جماعية خلال ساعات.
وهنا يظهر مفهوم «الحشد الإلكتروني».
الحشد الإلكتروني خطورته تبدأ عندما يصبح الانتشار دليلًا على الحقيقة، وعندما نخلط بين عدد المشاركات وصحة الفكرة، أو بين كثرة الغضب ووجود أزمة حقيقية.
الأكثر خطورة أن المنصات الرقمية لا تكافئ دائمًا المحتوى الأكثر دقة، وإنما غالبًا ما تدفع إلى الأمام المحتوى الأكثر إثارة للتفاعل. ولذلك قد تتفوق المعلومة الصادمة على المعلومة الصحيحة، والنكتة على التحليل، والغضب على النقاش الهادئ.
ولا يعني ذلك أن وراء كل تريند «جهة» أو «مؤامرة». هذا تبسيط لا يقل خطورة عن تجاهل الظاهرة نفسها. فهناك تريندات تولد تلقائيًا، وأخرى تتضخم لأن الجمهور وجد فيها مساحة للتعبير، وأخرى قد يتم توجيهها أو استغلالها بصورة منظمة. وقد تناولت دراسات وتقارير حديثة بالفعل استخدام الحسابات الوهمية وإعادة تدوير المحتوى وتضخيم بعض الرسائل لصناعة انطباع بوجود رأي عام واسع.
لذلك، فإن القضية الحقيقية ليست أن نخاف من التريند، ولا أن نبحث خلف كل موجة عن مؤامرة، وإنما أن نمتلك الوعي الذي يجعلنا قادرين على التمييز بين التفاعل والتوجيه، وبين الرأي العام الحقيقي والرأي الذي يبدو كبيرًا لأنه حظي بتضخيم رقمي.
فالدولة الحديثة لا تواجه فقط تحدي حماية حدودها ومؤسساتها، وإنما تواجه أيضًا تحدي حماية وعي مواطنيها في عالم أصبحت فيه المعلومة أسرع من التحقق، والصورة أقوى من الحقيقة أحيانًا، والانتشار أسرع من التفكير.
وربما يكون الدرس الأهم من «قاع الهامور» ليس ما إذا كان تريندًا عابرًا أم لا، وإنما أن المجتمع الرقمي أصبح مجتمعًا حقيقي التأثير.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا ليست أن نمنع الناس من التفاعل، ولا أن نخاف من السخرية أو الاختلاف، وإنما أن نضمن أن تظل لدينا القدرة على السؤال قبل التصديق، والتحقق قبل المشاركة، والتفكير قبل الانضمام إلى الحشد.
وختامآ … يبقي السؤال
هل نحن من نصنع التريند ام ان التريند هو الذي يصنع عقولنا؟؟