بعض المشروعات الكبرى، لا تكون أهميتها فيما نراه فقط، وإنما فيما تشير إليه من تحولات أوسع. وقد يكون افتتاح سد ومحطة «جوليوس نيريري» الكهرومائية في تنزانيا واحدًا من هذه المشروعات التي تستحق أن تُقرأ بأكثر من زاوية.
فالمشهد، في ظاهره، هو افتتاح مشروع تنموي ضخم نفذه تحالف مصري، وشارك في افتتاحه رئيس مجلس الوزراء الدكتور مصطفى مدبولي، نيابة عن الرئيس عبد الفتاح السيسي، وبحضور الرئيسة التنزانية سامية صلوحو حسن وعدد من كبار المسؤولين التنزانيين.
لكن وراء هذا المشهد
أكبر من حدود المشروع نفسه.
فما وراء السد؟
ربما تكون الإجابة هي السؤال الأهم.
لأن مصر لا تذهب إلى إفريقيا اليوم فقط باعتبارها دولة تربطها بالقارة أو بالجارة روابط التاريخ والجغرافيا، وإنما باعتبارها دولة تسعى إلى بناء شراكات عملية، تقوم على المصالح المتبادلة وعلى ما تستطيع أن تقدمه بالفعل.
وهنا تكتسب تجربة «جوليوس نيريري» أهميتها.
فحين تنفذ شركات مصرية مشروعًا بهذا الحجم في دولة إفريقية، فإن الأمر لا يتوقف عند نجاح شركة مصرية في سوق خارجية، مهما كان هذا النجاح مهمًا. المسألة تتعلق أيضًا بالصورة التي تقدمها مصر عن نفسها أمام شركائها الأفارقة: دولة تمتلك الخبرة، والقدرة، والكوادر، والشركات القادرة على المشاركة في مشروعات التنمية الكبرى.
وهذه صورة لها وزنها في السياسة الدولية.
فالقوة الناعمة لا تُصنع فقط عبر الثقافة والفن والإعلام، وإنما تُبنى كذلك عندما تصبح خبرة الدولة وقدراتها جزءًا من احتياجات الآخرين.
وحين تصبح الشركة المصرية شريكًا في مشروع تنموي يمس حياة ملايين المواطنين، فإنها تحمل معها، بصورة غير مباشرة، جزءًا من الحضور المصري في هذه الدولة.
ومن هنا يمكن فهم أهمية أن تكون مصر حاضرة في إفريقيا من خلال المشروع لا الخطاب فقط، فالعلاقات بين الدول لا تستقر بالتصريحات وحدها، وإنما تحتاج إلى مصالح مشتركة تتسع بمرور الوقت، وإلى مشروعات تجعل التعاون شيئًا ملموسًا يراه المواطن، وليس مجرد عنوان في البيانات الرسمية. وهذا تحديدًا ما يمنح مشروع «جوليوس نيريري» بعدًا يتجاوز قيمته الاقتصادية والهندسية.
هناك بعد آخر لا يمكن تجاهله، فالمشروع موجود في دولة من دول حوض النيل، وفي منطقة شديدة الحساسية بالنسبة لمصر من الناحية الجغرافية والاستراتيجية.
ومن المهم هنا ألا ننظر إلى التنمية في دول حوض النيل باعتبارها بالضرورة معادلة صراع أو منافسة صفرية.مصر تقول، في خطابها الإفريقي، إن التنمية حق أصيل لشعوب القارة، وإن التعاون يمكن أن يكون طريقًا مشتركًا لتحقيق مصالح الدول والشعوب.
ولذلك فإن مشاركة مصر في مشروع تنموي كبير داخل دولة من دول الحوض تقدم، في حد ذاتها، نموذجًا مختلفًا للعلاقة مع إفريقيا؛ نموذجًا يقوم على التعاون والتنمية وتبادل الخبرات، مع الحفاظ في الوقت نفسه على المصالح والثوابت المصرية.
وهذه معادلة غاية في الاهمية.
فالدولة التي تريد أن يكون لها تأثير حقيقي في محيطها لا يكفيها أن تشرح موقفها السياسي؛ عليها أيضًا أن تكون قادرة على تقديم قيمة حقيقية لشركائها.
ولعل اللافت في المشهد أن الحضور المصري لم يكن رمزيًا.
رئيس الوزراء يشارك نيابة عن رئيس الجمهورية، ووفد مصري يضم مسؤولين حكوميين وقيادات الشركات المنفذة للمشروع، في مشهد يجمع بين الدولة والاقتصاد والخبرة الفنية والدبلوماسية.
وهذا في حد ذاته يعكس طبيعة المرحلة الجديدة في العلاقات الدولية.
لم تعد السياسة الخارجية منفصلة تمامًا عن حركة الشركات والاستثمار والخبرات الوطنية.
الشركة التي تنجح في الخارج يمكن أن تصبح جزءًا من أدوات الحضور الوطني، والمشروع التنموي يمكن أن يتحول إلى جسر للعلاقات، والخبرة المصرية يمكن أن تصبح عنصرًا من عناصر القوة الناعمة للدولة.
وهنا تحديدًا تبرز أهمية ما أعلنه رئيس الوزراء من استعداد مصر للمشاركة في تنفيذ مشروعات تنموية أخرى في الدول الإفريقية الشقيقة.
فالرسالة الأهم ليست أن مصر أنجزت مشروعًا في تنزانيا، وإنما أن هذا النجاح يمكن أن يكون بداية لمسار أوسع. مسار لا تكتفي فيه مصر بأن تكون موجودة في إفريقيا، وإنما تسعى إلى أن تكون شريكًا في صناعة مستقبلها.
ومن زاوية أخرى، فإن المشهد يقدم درسًا مهمًا في مفهوم «الجمهورية الجديدة» كما يمكن أن ينعكس على الدور الخارجي للدولة.
فبناء الدولة لا يعني فقط تطوير البنية الأساسية داخل الحدود، وإنما يعني أيضًا امتلاك مؤسسات وشركات وكوادر تستطيع أن تنافس وتنجح خارجها.
أن تنتقل الخبرة المصرية من الداخل إلى الخارج، وأن تتحول الشركات الوطنية إلى لاعب قادر على تنفيذ مشروعات كبرى في الأسواق الإقليمية والدولية، فهذه ليست مجرد مسألة اقتصادية.
إنها جزء من قدرة الدولة على الحركة والتأثير.
ولذلك فإن نجاح المقاول المصري في تنزانيا ليس قصة مقاولات فقط، كما أن نجاح شركة مصرية في مشروع إفريقي كبير ليس مجرد خبر اقتصادي.
إنه جزء من قصة أوسع عن مصر التي تريد أن تستعيد موقعها الطبيعي في محيطها الإفريقي بأدوات العصر.
وهنا نصل إلى السؤال الذي أراه أكثر أهمية من كل ما سبق:
ماذا تريد مصر أن تبني في إفريقيا؟
الإجابة بالتأكيد ليست سدًا واحدًا.
السد مشروع له بداية ونهاية، أما العلاقات بين الدول فمسار ها طويل.
ما تحتاجه مصر هو أن يتحول نجاح المشروعات الكبرى إلى شبكة أوسع من التعاون: في الطاقة، والبنية الأساسية، والنقل، والزراعة، والصحة، والتعليم، والتحول الرقمي، والتدريب، والثقافة، وغيرها من المجالات التي تمتلك فيها مصر خبرات يمكن أن تكون ذات قيمة حقيقية لشعوب القارة، وعندما تتراكم هذه الشراكات، يصبح الحضور المصري أكثر استدامة وأقل ارتباطًا بحدث أو مشروع بعينه.
وهذا هو المعنى الحقيقي لما يمكن أن نسميه النفوذ الإيجابي.
ليس نفوذًا يقوم على فرض الإرادة، وإنما على أن تصبح الدولة شريكًا يحتاج الآخرون إلى خبراته وقدراته، لذلك، فإن الصورة التي خرجت من تنزانيا في افتتاح «جوليوس نيريري» تستحق أن تُقرأ من زاوية أوسع.
فالسد ليس مجرد منشأة لتوليد الكهرباء ،والمشروع ليس مجرد نجاح لشركتين مصريتين.
والاحتفال ليس مجرد مناسبة دبلوماسية.
إنه مشهد تتقاطع فيه السياسة مع الاقتصاد، والدبلوماسية مع التنمية، والقوة الناعمة مع القدرة التنفيذية.
ومن هنا ربما يكون السؤال الصحيح ليس: ماذا بنت مصر في تنزانيا؟
بل:
ماذا تريد مصر أن تبني من خلال تنزانيا؟
وماذا يمكن أن يكون هذا المشروع بالنسبة إلى علاقة مصر بالقارة الإفريقية خلال السنوات المقبلة؟ فبعض السدود تحتجز المياه، وبعضها يفتح جسوراً جديدة.
وإذا كان «جوليوس نيريري» قد أقيم ليولد الطاقة لتنزانيا، فإن ما وراءه قد يولد شيئًا آخر أكثر اتساعًا: طاقة جديدة للعلاقات المصرية الإفريقية.