هدى العراقى

تاج المعمار الإسلامي الحديث:

مسجد «الفتاح العليم».. ملحمة الحجر والنور في العاصمة الجديدة

السبت، 22 أغسطس 2026 03:56 م


منذ فجر التاريخ، لم تكن العمارة في التجربة الحضارية المصرية مجرد نمط هندسي، بل كانت دائماً أداة للتوثيق الفلسفي والروحي، وشفرة وراثية تتوارثها الأجيال. وفي العاصمة الجديدة، يتجسد هذا الامتداد الحضاري من خلال مسجد «الفتاح العليم»، الذي يقدم نموذجاً تطبيقياً رفيعاً لكيفية استدعاء «المدرسة المصرية في التشييد»، والامتداد من المعابد الفرعونية القديمة إلى فنون البناء الإسلامي الخالدة، وتطويرها وفق أحدث الأدوات التقنية والمعايير الحديثة.

يتجلى التشكيل المعماري للمبنى في تناغم سيمفوني يجمع بين أساليب التشييد التاريخية والتقنيات العصرية. فكما كانت «الصروح» الفرعونية الشاهقة تُشيّد لتعلن الانتقال من صخب الدنيا إلى هيبة القدسية، تعلو صرح المسجد قباب مركزية تحيط بها مآذن شاهقة التصميم، تذكرنا بالشموخ الفلسفي للمسلات القديمة، وسط بيئة متكاملة تكتسي بالمساحات الخضراء. وقد وُضع التخطيط العام لضمان انسياب حركة المصلين والزوار بسلاسة تامة، تحاكي حركة المواكب في المعابد التاريخية، مع الالتزام التام بالمعايير الهندسية والبيئية.

وفيما يخص الفلسفة الفراغية، يعتمد التصميم الداخلي للصحن الرئيسي على مفهوم الانفتاح الضوئي؛ حيث ترتكز القبة والمساحات الممتدة على أعمدة رخامية فاخرة، محفورة عليها آيات قرآنية منفذة بأيدي متخصصين في الخط العربي الكلاسيكي. وتتوسط الصحن ثريا مركزية تشكل عنصراً بؤرياً للإضاءة، بينما تنفذ أضواء الشمس عبر نوافذ من الزجاج المعشق بالزخارف الهندسية، مما ينتج تنوعاً ظلياً وحركياً متغيراً بحسب ساعات النهار.

وتكتمل العناصر الوظيفية والجمالية في الأجزاء الداخلية للمسجد عبر تفاصيل دقيقة؛ إذ يتصدر الصحن محراب ذو طابع هندسي محدد، يجاوره منبر خشبي مصمم بتقنيات التعشيق والتطعيم اليدوي التاريخية. كما صُمم السجاد بنقوش استُلهمت من التراث الإسلامي، في حين تتولى الأنظمة الصوتية معالجةً هندسيةً متطورة تضمن توزيعاً متوازناً للذبذبات الصوتية في كافة أرجاء الفراغ.

هنا، يتجاوز مسجد «الفتاح العليم» دوره الوظيفي كدار للعبادة ومقر للمناسبات الرسمية للدولة، ليكون وثيقة معمارية متجددة. إنه تجسيد حي لقدرة العقل المعماري المصري عبر العصور على صياغة الموروث التاريخي بأدوات التقنية الحديثة، معلناً أن روح التشييد التي شيدت الأهرامات والمعابد هي ذاتها التي تشيد اليوم أيقونات المعمار الحديث على أرض مصر.

مسجد الفتاح العليم
مسجد الفتاح العليم

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة