هناك أشخاص تجمعنا بهم المكاتب وساعات العمل والاجتماعات اليومية، ثم تمضي السنوات فلا يبقى من تلك العلاقة إلا القليل. وهناك أشخاص لم نتشارك معهم مكتبًا واحدًا، وربما لم تجمعنا بهم مؤسسة واحدة، لكنهم يتركون في مسيرتنا أثرًا أكبر من أثر سنوات طويلة من الزمالة. ومن هؤلاء بالنسبة لي الأستاذ والزميل أشرف شوبك، مدير تحرير الأهرام، الذي يصل اليوم إلى سن المعاش، لكنه بالتأكيد لا يصل إلى سن التوقف عن العطاء.
لم يجمعني العمل بالأستاذ أشرف شوبك في مكان واحد، وهذه حقيقة ربما تجعل ما أكتبه عنه مختلفًا؛ فأنا لا أكتب شهادة زميل جلس إلى جواره كل صباح، ولا أتحدث عن رئيس مباشر تعلمت منه داخل غرفة الأخبار، وإنما أتحدث عن إنسان كان له تأثير حقيقي في مسيرتي المهنية من خارج حدود المؤسسة والمكتب.
وفي مرحلة من المراحل، حين يصبح الاستمرار في مهنة الصحافة محل تساؤل، وحين تضغط الظروف على الصحفي حتى يفكر في الابتعاد عن بلاط صاحبة الجلالة، كان الأستاذ أشرف شوبك أحد الأسباب التي جعلتني أبقى. وربما لا يدرك الإنسان أحيانًا حجم الأثر الذي تتركه كلمة يقولها في توقيتها الصحيح، أو نصيحة يمنحها لشخص يمر بلحظة صعبة، لكنني أدرك جيدًا أن بعض كلماته ونصائحه كانت من الأشياء التي دفعتني إلى مواصلة الطريق.
ولم تكن نصائحه لي مهنية فقط، بل كان الجانب الإنساني فيها حاضرًا بصورة ربما كانت أكثر تأثيرًا. كان دائمًا يوصيني بألا أنسى الناس وسط زحام الحياة والعمل، وأن أداوم على زيارة المريض، وأن أسعى إلى مساعدة المحتاج ما استطعت إلى ذلك سبيلًا، وألا أجعل ردود أفعال الآخرين مقياسًا لفعل الخير.
تعلمت منه أن تفعل ما تراه خيرًا ثم تمضي، دون أن تنتظر شكرًا، ودون أن تنشغل كثيرًا بما سيقال عنك بعد ذلك. فالإنسان لا يستطيع التحكم في ألسنة الناس ولا في تأويلاتهم، لكنه يستطيع أن يتحكم في نيته وفي الفعل الذي يقدمه للآخرين.
وهذه، في تقديري، ليست مجرد نصيحة عابرة، وإنما فلسفة في التعامل مع الحياة. أن تزور مريضًا لأن واجبك الإنساني يدفعك إلى زيارته، وأن تقف بجوار محتاج لأنك تستطيع مساعدته، وأن تفعل الخير دون حسابات للمكسب والخسارة أو انتظار المقابل. وربما كانت قيمة هذه النصائح بالنسبة لي أنها جاءت من رجل خبر الحياة والصحافة والناس، فلم تكن كلمات محفوظة بقدر ما كانت خلاصة تجربة.
واليوم، ومع وصول الأستاذ أشرف شوبك إلى السن القانونية للمعاش، أجد أن كلمة «المعاش» لا تبدو مناسبة تمامًا لوصف هذه اللحظة. فالوظيفة لها تاريخ بداية ونهاية، والمناصب تتغير، والمكاتب يأتي إليها أشخاص ويغادرها آخرون، لكن أثر الإنسان لا يخضع لقرار إداري ولا يتوقف عند تاريخ مكتوب في الأوراق.
قد يغادر الصحفي مكتبه، لكنه لا يغادر الصحافة بسهولة، خصوصًا عندما تكون المهنة قد أصبحت جزءًا من تكوينه وذاكرته وحياته. والأهم أن الخبرة التي تراكمت عبر عشرات السنوات لا تذهب إلى المعاش؛ بل تصبح أكثر قيمة عندما تنتقل إلى الأجيال التالية في كلمة ونصيحة وموقف.
ولهذا أكتب اليوم للأستاذ أشرف شوبك لا لأودعه، وإنما لأقول له شكرًا.
شكرًا لأنك، دون أن يجمعنا مكتب واحد، كنت حاضرًا في جزء مهم من رحلتي المهنية.
شكرًا لأنك كنت في وقت من الأوقات أحد الأسباب التي جعلتني أتمسك بالصحافة وأواصل السير في بلاط صاحبة الجلالة.
وشكرًا على نصائح إنسانية ستظل معي: أن أزور المريض، وأن أساعد المحتاج، وأن أفعل الخير دون انتظار المقابل، وألا أجعل ما يقوله الناس بعد ذلك سببًا في التراجع عن فعل أؤمن بأنه صحيح.
أستاذي وزميلي أشرف شوبك..
قد يكون اليوم نهاية فصل وظيفي طويل في مؤسسة الأهرام العريقة، لكنه بالتأكيد ليس نهاية الحكاية. فالصحفي الحقيقي لا تحدد قيمته بطاقة وظيفية، ولا ينتهي دوره بإخلاء مكتب، وإنما يبقى بما كتبه، وبمن تعلموا منه، وبالمواقف التي تركها في ذاكرة زملائه، وبالأثر الطيب الذي صنعه في حياة أشخاص ربما لم يعملوا معه يومًا تحت سقف واحد.
وأنا واحد من هؤلاء.
دمت أستاذًا وزميلًا عزيزًا، وبارك الله لك فيما هو قادم، وأدام عليك الصحة والعافية، وجعل ما قدمته للناس ولزملائك وتلاميذك في ميزان حسناتك.
فالوظيفة لها سن للمعاش.. أما الأثر الطيب فلا معاش له.