قرابة مليونى محتجز، وإيرادات تتجاوز 2 مليار دولار لشركة واحدة، وعقود جديدة بنحو 520 مليون دولار لشركة أخرى، هكذا تكشف الوثائق الرسمية أن السجون فى الولايات المتحدة ليست فقط أماكن لتنفيذ العقوبات، بل منظومة اقتصادية تتحرك فيها مليارات الدولارات كل عام.
ووفقًا لبيانات مكتب إحصاءات العدل الأمريكى (BJS)، بلغ عدد المحتجزين داخل السجون الفيدرالية وسجون الولايات نحو 1.25 مليون شخص بنهاية عام 2023، إضافة إلى أكثر من 664 ألف محتجز داخل السجون المحلية، ليقترب إجمالى عدد الموجودين خلف القضبان من 1.9 مليون شخص.
تشير بيانات مكتب الإحصاء الأمريكى إلى أن الإنفاق الحكومى على منظومة الإصلاح والعقوبات (Corrections) يقدر بعشرات المليارات من الدولارات سنويًا، ضمن موازنات الحكومات الفيدرالية وحكومات الولايات والسلطات المحلية، لكن إدارة هذه المنظومة لا تعتمد على المؤسسات الحكومية وحدها، فبحسب التقرير السنوى لشركة CoreCivic لعام 2025، كانت الشركة تدير عشرات السجون ومراكز الاحتجاز بطاقة استيعابية تقارب 68 ألف سرير، وحققت إيرادات من قطاع السجون والاحتجاز بلغت نحو 2.07 مليار دولار خلال عام واحد، بزيادة تقارب 14% مقارنة بعام 2024.
كما أعلنت شركة GEO Group فى تقريرها السنوى أنها وقعت عقودًا جديدة أو موسعة يُتوقع أن تضيف نحو 520 مليون دولار سنويًا إلى إيراداتها، من بينها عقود مع هيئة الهجرة والجمارك الأمريكية (ICE) لتشغيل أو توسيع منشآت احتجاز.

انفوجراف مولد بالذكاء الاصطناعى
كيف تتحول الزنزانة إلى مصدر إيراد؟
تكشف التقارير السنوية للشركات أن الإيرادات لا ترتبط بإصدار الأحكام أو تحديد مدد العقوبات، فهذه مسؤولية السلطات القضائية، وإنما بعقود تشغيل السجون وما تتضمنه من خدمات. ووفقًا لتقرير CoreCivic، تعتمد الشركة على عقود تُحتسب قيمتها وفق الخدمات المقدمة، بينما تنص بعض التعاقدات على مقابل يومى لكل سرير مشغول أو حد أدنى مضمون للإشغال، بما يجعل عدد المحتجزين والطاقة الاستيعابية من العوامل المؤثرة فى قيمة العقد.
وتوضح GEO Group النموذج نفسه بصورة مختلفة؛ إذ أشارت إلى أن العقود الجديدة الخاصة بمراكز احتجاز تابعة لهيئة الهجرة والجمارك تشمل منشآت تبلغ طاقتها قرابة 6 آلاف سرير، وأن هذه الاتفاقيات قد تضيف مئات الملايين من الدولارات إلى إيرادات الشركة سنويًا. وتؤكد الوثائق المالية أن عوامل مثل عدد الأسرّة المستخدمة، ونسب الإشغال، ومدة التعاقد، تؤثر مباشرة فى حجم الإيرادات، دون أن يعنى ذلك أن الشركات تملك سلطة تحديد من يدخل السجن أو مدة بقائه، فهذه قرارات تصدر عن الجهات القضائية والتنفيذية.
وتزداد أهمية مدة الاحتجاز عندما تظهر بيانات مكتب إحصاءات العدل الأمريكى أن السجون المحلية سجلت نحو 7.6 مليون حالة دخول خلال عام واحد، بينما ارتفع متوسط مدة الاحتجاز إلى 32 يومًا مقابل 25 يومًا قبل ثمانى سنوات. وتعكس هذه الأرقام حجم الحركة اليومية داخل منظومة تتطلب إنفاقًا مستمرًا على الإقامة، والغذاء، والرعاية، والنقل، وغيرها من الخدمات المرتبطة بالاحتجاز.

انفوجراف مولد بالذكاء الاصطناعى
من يدفع بعد دخول السجين؟
لا تتحمل الحكومات وحدها تكلفة منظومة الاحتجاز. فبحسب لجنة الاتصالات الفيدرالية الأمريكية (FCC)، يدفع السجناء وأسرهم مقابل عدد من الخدمات داخل السجون، أبرزها المكالمات الهاتفية والاتصالات المرئية، وهو ما دفع اللجنة إلى إصدار قواعد جديدة فى عامى 2024 و2025 لخفض الرسوم ووضع حدود قصوى لأسعار هذه الخدمات، بعد أن قالت إن بعض الرسوم كانت تمثل عبئًا ماليًا على المحتجزين وعائلاتهم.
ووفقًا للمكتب الفيدرالى للسجون (BOP)، يمتلك كل سجين حسابًا ماليًا تُحوَّل إليه الأموال من أسرته، ويستخدمه فى شراء احتياجات إضافية من المتاجر الداخلية، مثل الأغذية والمشروبات وأدوات النظافة والملابس والطوابع.
كما أوضح المكتب أن نظام الاتصالات والبريد الإلكترونى TRULINCS لا يُمول من أموال دافعى الضرائب، وإنما من صندوق السجناء الذى يعتمد على إيرادات المتاجر الداخلية ورسوم بعض الخدمات التى يدفعها المحتجزون.
ولا يعنى ذلك أن جميع السجون الأمريكية تعمل بالنموذج نفسه، إذ تختلف العقود بين السجون الفيدرالية وسجون الولايات والمنشآت المحلية، لكن الوثائق الرسمية تؤكد أن جزءًا من تكلفة الاتصالات والخدمات اليومية داخل بعض المؤسسات الإصلاحية يتحمله السجناء وأسرهم، إلى جانب ما تتحمله الحكومات من نفقات التشغيل.

انفوجراف مولد بالذكاء الاصطناعى
اقتصاد لا ينتهى عند باب السجن
ولا يتوقف النشاط الاقتصادى عند تشغيل السجون فقط. فبحسب التقرير السنوى لشركة GEO Group لعام 2025، توسعت الشركة فى خدمات المراقبة الإلكترونية والإشراف المجتمعى للمفرج عنهم، إلى جانب إدارة مراكز إعادة الإدماج، باعتبارها أحد قطاعات أعمالها.
كما تشير CoreCivic فى تقريرها السنوى إلى أنها تدير مراكز انتقالية تقدم خدمات الإقامة المؤقتة والمساعدة فى الحصول على عمل والدعم الاجتماعى، بموجب تعاقدات مع جهات حكومية.
وتوضح هذه الإفصاحات أن بعض الشركات العاملة فى قطاع الاحتجاز لم تعد تقدم خدمة واحدة، بل أصبحت تدير سلسلة من الخدمات تبدأ من تشغيل السجن، وتمتد إلى المراقبة الإلكترونية وإعادة الإدماج بعد الإفراج، وهو ما يعكس اتساع نطاق العقود المرتبطة بمنظومة العدالة الجنائية.

انفوجراف مولد بالذكاء الاصطناعى
تكشف الوثائق الرسمية الصادرة عن مكتب إحصاءات العدل الأمريكى، ولجنة الاتصالات الفيدرالية، والتقارير السنوية لشركتى CoreCivic وGEO Group، أن منظومة السجون فى الولايات المتحدة لا تقتصر على تنفيذ العقوبات، بل ترتبط بشبكة واسعة من العقود والخدمات التى تشمل إدارة المنشآت، والغذاء، والرعاية الصحية، والاتصالات، والمراقبة الإلكترونية، وإعادة الإدماج المجتمعى.
وبين ما تنفقه الحكومات، وما تتحمله أسر بعض السجناء من نفقات، تتشكل منظومة اقتصادية معقدة، لا يمكن فهمها إلا من خلال الوثائق والإفصاحات الرسمية التى تعلنها الجهات الحكومية والشركات المدرجة فى الأسواق المالية.