يرتبط لقب "البابا" فى أذهان كثيرين بأسقف روما، إلا أن التاريخ الكنسى يؤكد أن كنيسة الإسكندرية كانت أول من استخدم هذا اللقب لبطريركها، ليصبح تعبيرًا عن الأبوة الروحية التى تميزت بها الكنيسة القبطية منذ القرون الأولى للمسيحية، قبل أن ينتشر استخدامه فى كنائس أخرى حول العالم.
لقب يعبر عن الأبوة الروحية
يحمل لفظ "بابا" معنى "الأب"، وهو لقب ارتبط بعلاقة الراعى بشعبه، إذ كان بطريرك الإسكندرية يُنظر إليه باعتباره الأب الروحى للمؤمنين، والمسئول عن قيادة الكنيسة وتعليمها وحماية العقيدة. ومع مرور الزمن، أصبح اللقب جزءًا من الهوية التاريخية للكنيسة القبطية، واستمر استخدامه مع جميع بطاركة الكرسى المرقسى حتى يومنا هذا.
ولم يكن اللقب مجرد تسمية شرفية، بل كان يعكس مكانة بطريرك الإسكندرية الذى تولى قيادة واحدة من أقدم الكنائس الرسولية فى العالم، وأسهم فى إدارة شئون الكنيسة خلال فترات الازدهار والاضطهاد على حد سواء.
مكانة عالمية للكرسى المرقسى
ساهمت المكانة العلمية والروحية التى تمتعت بها كنيسة الإسكندرية فى انتشار شهرة لقب "البابا"، خاصة مع الدور الذى لعبه بطاركة الإسكندرية فى الدفاع عن الإيمان والمشاركة فى المجامع الكنسية الكبرى، حيث أصبحت آراؤهم مرجعًا مهمًا فى القضايا اللاهوتية خلال القرون الأولى للمسيحية.
كما عززت المدرسة اللاهوتية بالإسكندرية من هذه المكانة، بعدما خرجت كبار علماء الكنيسة، وجعلت المدينة مركزًا للفكر المسيحى، وهو ما انعكس على مكانة بطريركها داخل العالم المسيحى.
تراث استمر عبر القرون
ورغم تغير الأزنة وتعاقب العصور، حافظت الكنيسة القبطية على هذا اللقب التاريخى، ليظل شاهدًا على عراقة الكرسى المرقسى واستمرار التقليد الرسولى الذى بدأ مع القديس مرقس الرسول. كما يعكس اللقب مكانة البابا باعتباره رمزًا للوحدة الروحية وراعيًا للكنيسة القبطية داخل مصر وخارجها.
ويؤكد المؤرخون أن استمرار استخدام لقب "البابا" فى الكنيسة القبطية عبر ما يقرب من ألفى عام يعكس عمق التراث الكنسى المصرى، والدور التاريخى الذى لعبته كنيسة الإسكندرية فى تشكيل تاريخ المسيحية.