حسين عبد البصير

المتحف المصرى بالتحرير.. من ذاكرة الآثار إلى مستقبل علم المصريات

الجمعة، 21 أغسطس 2026 12:00 ص


ليس من السهل أن نتحدث عن مستقبل المتحف المصري بالتحرير من دون أن نستحضر ماضيه. فهذا المبنى الذي يقف في قلب القاهرة منذ أكثر من قرن ليس مجرد متحف للآثار المصرية، وإنما هو أحد الشواهد الكبرى على نشأة المتحف الحديث، وعلى تطور علم المصريات نفسه، وعلى الطريقة التي تعرّف بها العالم إلى الحضارة المصرية القديمة.

ومع افتتاح المتحف المصري الكبير، وقبله المتحف القومي للحضارة المصرية، دخلت الخريطة المتحفية المصرية مرحلة جديدة. انتقلت بعض أهم عناصر الجذب الجماهيري من المتحف المصري بالتحرير إلى المؤسسات الجديدة، وفي مقدمتها مجموعة توت عنخ آمون والمومياوات الملكية. ومن الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى إعادة توزيع أعداد الزوار بين المتاحف.

لكن انخفاض أعداد الزوار لا ينبغي أن يُفهم باعتباره نهاية عصر المتحف المصري، وإنما باعتباره بداية سؤال جديد: ماذا نريد من هذا المتحف بعد أن أصبح لمصر أكثر من مركز متحفي كبير؟

في رأيي، الإجابة لا تكمن في محاولة إعادة المتحف المصري بالتحرير إلى ما كان عليه قبل انتقال المجموعات الكبرى، ولا في منافسة المتحف المصري الكبير في الحجم أو التكنولوجيا أو عدد القطع الشهيرة. وإنما تكمن في اكتشاف هوية جديدة للمتحف، وهي هوية موجودة بالفعل في داخله وفي تاريخه.

فالمتحف المصري بالتحرير هو نفسه قطعة من تاريخ مصر الحديث.

لقد جاء المتحف في لحظة كانت فيها مصر تعيد اكتشاف ماضيها وتعيد تقديمه للعالم. ومن بين جدرانه مرت أجيال من علماء المصريات والآثاريين والمرممين والطلاب والزائرين. وفي قاعاته تشكلت أجزاء مهمة من المعرفة الحديثة بالحضارة المصرية القديمة.

ومن هنا يمكن أن يكون مستقبل المتحف مرتبطًا بفكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه: أن يتحول من مجرد متحف للمقتنيات المصرية القديمة إلى متحف يروي أيضًا قصة اكتشاف مصر القديمة.

هذه الوظيفة لا تتعارض مع وجود المتحف المصري الكبير، بل تكمله.

فالمتحف المصري الكبير يستطيع أن يقدم تجربة عالمية ضخمة للحضارة المصرية القديمة، بما يملكه من إمكانات معمارية وتقنية هائلة، بينما يستطيع المتحف القومي للحضارة المصرية أن يقدم قصة مصر عبر العصور. أما المتحف المصري بالتحرير فيمكن أن يصبح المكان الذي يروي قصة الآثار المصرية، وقصة علم المصريات، وقصة المتحف نفسه.

وهنا أرى أن فكرة إنشاء مركز عالمي لعلم المصريات داخل المتحف المصري بالتحرير، التي ارتبطت بمشروع تطوير المتحف في السنوات السابقة، يمكن أن تكون واحدة من أهم الأفكار القابلة لإعادة النظر والتطوير.

لكن نجاح هذه الفكرة يتطلب ألا يتحول المتحف إلى مؤسسة أكاديمية مغلقة على المتخصصين. قوته الحقيقية في الجمع بين الوظيفة العامة والوظيفة العلمية.

يمكن أن يكون متحفًا عامًا مفتوحًا أمام ملايين الزائرين، وفي الوقت نفسه مركزًا دوليًا للبحث والتدريب والدراسة. يمكن أن يضم برامج للباحثين والطلاب، وزمالات دولية، ومكتبة متخصصة، وقواعد بيانات رقمية، ومعامل للبحث والحفظ والترميم، ومعارض مؤقتة، ومؤتمرات وندوات دولية.

بهذه الطريقة يصبح المتحف المصري بالتحرير مؤسسة حية تنتج المعرفة ولا تكتفي بعرضها.

أما التكنولوجيا، فلا أعتقد أن الحل هو أن نملأ مبنى تاريخيًا بالشاشات والأجهزة حتى نفقد إحساسنا بالمكان. التكنولوجيا الناجحة في المتحف التاريخي هي التي تعمل في الخلفية وتضيف إلى التجربة دون أن تطغى عليها.

يمكن تحديث أنظمة الإضاءة والأمن والحريق والتحكم البيئي، وتحسين حركة الزائرين وإتاحة المتحف لذوي الإعاقة، وتطوير أنظمة الحجز والخدمات الرقمية، وكل ذلك من دون المساس بالشخصية المعمارية للمبنى.

وفي الوقت نفسه يمكن استخدام التطبيقات والواقع المعزز والأدلة الصوتية والخرائط الرقمية لتقديم مستويات متعددة من المعلومات.

فالزائر الذي يقف أمام قطعة أثرية لا ينبغي أن يكتفي بمعرفة اسمها وتاريخها. يمكن أن يعرف أين اكتشفت، ومن صاحبها، وما وظيفتها، وكيف كان المكان الذي جاءت منه، وكيف وصلت إلى المتحف، وما الذي عرفه العلماء عنها خلال أكثر من قرن.

وهنا تصبح التكنولوجيا وسيلة لإعادة القطعة إلى سياقها، وليس مجرد وسيلة لإبهار الزائر.

وأعتقد أن هناك فرصة مهمة جدًا لإعادة بناء العلاقة بين المتحف والزائر من خلال قصة المتحف نفسه.

لماذا بني هذا المتحف؟ كيف تغيرت طرق عرض الآثار خلال أكثر من مائة عام؟ كيف كان علماء المصريات يعملون؟ كيف تطورت عمليات الحفر والتوثيق والترميم؟ كيف انتقلت القطع من مواقعها الأثرية إلى قاعات المتحف؟ وكيف ساهم هذا المتحف في تشكيل صورة مصر القديمة في المخيلة العالمية؟

هذه الأسئلة يمكن أن تصنع تجربة متحفية مختلفة تمامًا.

إن مصر لا تحتاج إلى متحف واحد يحكي كل شيء. مصر تمتلك الآن فرصة لبناء منظومة متحفية متكاملة، لكل مؤسسة فيها شخصيتها ووظيفتها وروايتها.

المتحف المصري الكبير يمكن أن يكون أحد أعظم المتاحف العالمية المتخصصة في الحضارة المصرية القديمة. والمتحف القومي للحضارة المصرية يمكن أن يقدم قصة مصر الممتدة عبر آلاف السنين. والمتحف المصري بالتحرير يمكن أن يكون ذاكرة علم المصريات، ومتحف نشأة المتحف الحديث في مصر، ومكانًا للتعلم والبحث واكتشاف الآثار.

وفي هذه الحالة يصبح انتقال بعض المجموعات الكبرى من التحرير ليس خسارة، وإنما فرصة لإعادة اكتشاف ما تبقى.

فالقطعة الأثرية ليست قيمتها في شهرتها وحدها، وإنما في القصة التي تستطيع أن تحكيها.

والمتحف الناجح في القرن الحادي والعشرين ليس الذي يملك أكبر عدد من القطع أو أكبر مساحة، وإنما الذي يستطيع أن يجعل الزائر يرى القطعة، ويفهمها، ويشعر بعلاقتها بالإنسان الذي صنعها قبل آلاف السنين.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: كيف نعيد أعداد الزائرين إلى المتحف المصري بالتحرير؟

السؤال الأهم هو: لماذا يجب أن يأتي الزائر إلى التحرير بعد أن زار المتحف المصري الكبير؟

والإجابة يجب أن تكون واضحة: لأنه سيجد هنا تجربة لا يستطيع أن يجدها في أي مكان آخر.

سيجد متحفًا عمره أكثر من قرن، لكنه ليس متحفًا يعيش في الماضي. سيجد تاريخًا عريقًا، لكنه يستخدم أدوات المستقبل. سيجد آثارًا مصرية قديمة، لكنه سيتعرف أيضًا إلى تاريخ اكتشافها ودراستها وحفظها. وسيجد، قبل كل شيء، مكانًا ساهم في صناعة علم المصريات وفي تعريف العالم بمصر.

إذا كان المتحف المصري الكبير هو نافذة مصر الجديدة على العالم، فإن المتحف المصري بالتحرير يمكن أن يكون ذاكرة مصر الأثرية والعلمية.

ولا أعتقد أن مستقبل المتحف المصري يكمن في أن يصبح نسخة أصغر من المتحف المصري الكبير.

مستقبله يكمن في أن يصبح شيئًا لا يستطيع المتحف المصري الكبير أن يكونه.

وهنا تحديدًا يمكن أن تبدأ قصة المئة وخمسة والعشرين عامًا القادمة للمتحف المصري بالتحرير.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة