لم يكن أغسطس 2026 شهرًا عاديًا على خريطة الكوارث الطبيعية العالمية، فمن أمريكا اللاتينية إلى أوروبا وآسيا، توالت مشاهد الدمار بوتيرة متسارعة، وكأن الطبيعة قررت أن تفتح عدة جبهات في وقت واحد، زلازل مدمرة، وبراكين عادت إلى النشاط، وحرائق غابات اجتاحت مساحات شاسعة، وجفاف تاريخي أدى إلى انحسار الأنهار، بينما دفعت موجات الحر القياسية ملايين الأشخاص إلى مواجهة ظروف مناخية قاسية وغير مسبوقة.
موجة من الزلازل
في أمريكا اللاتينية، تصدر زلزال كولومبيا المشهد بوصفه واحدة من أسوأ الكوارث الطبيعية التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة. ففي العاشر من أغسطس ضرب زلزال بقوة 7.4 درجة غرب البلاد، مخلفًا مئات الضحايا وآلاف الجرحى، بينما انهارت مبانٍ وتضررت طرق وجسور وشبكات خدمات أساسية.
ووفقًا لبيانات إغاثية ودولية، ارتفعت الحصيلة إلى أكثر من 270 قتيلًا ونحو أربعة آلاف مصاب، مع استمرار عمليات البحث عن مفقودين تحت الأنقاض.
ولم تكد كولومبيا تستوعب آثار الزلزال حتى واجهت أزمة أخرى، إذ شهدت بعض المناطق نشاطًا لبركان طيني قذف كميات كبيرة من الطين والغازات، ما استدعى إجلاء السكان القريبين. وفي الوقت نفسه حذرت السلطات من اتساع رقعة حرائق الغابات نتيجة الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، لتجد فرق الطوارئ نفسها أمام كارثتين متزامنتين؛ زلزال مدمر وحرائق متزايدة الاتساع.
وفي المكسيك، عادت المخاوف الزلزالية إلى الواجهة مع تسجيل سلسلة من الهزات الأرضية على امتداد مناطق تقع ضمن "حزام النار" في المحيط الهادئ، أحد أكثر الأحزمة الجيولوجية نشاطًا في العالم. وأثارت هذه الهزات حالة من القلق بين السكان والسلطات، خاصة مع استمرار النشاط الزلزالي في عدد من دول المنطقة خلال الأسابيع الأخيرة.
أما أوروبا، فقد وجدت نفسها في مواجهة أزمة مركبة تجمع بين الحرارة والجفاف والحرائق. فالقارة العجوز شهدت خلال أغسطس موجات حر استثنائية دفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية، وهو ما ساهم في اندلاع حرائق ضخمة امتدت من إسبانيا والبرتغال وفرنسا إلى اليونان وكرواتيا وبلجيكا وألمانيا. وأجبرت النيران آلاف الأشخاص على مغادرة منازلهم ومنتجعاتهم السياحية، فيما سقط قتلى وجرحى وتعرضت مساحات شاسعة من الغابات للتدمير.
عمليات إجلاء واسعة بعد اقتراب النيران
في اليونان، اضطرت السلطات إلى تنفيذ عمليات إجلاء واسعة بعد اقتراب النيران من مناطق مأهولة وسياحية، بينما شهدت كرواتيا وفرنسا حرائق مماثلة تسببت في خسائر بشرية ومادية. وفي بلجيكا اندلع أحد أكبر الحرائق التي شهدتها البلاد في العصر الحديث داخل محمية طبيعية واسعة، الأمر الذي استدعى تدخلًا أوروبيًا للمساعدة في جهود الإطفاء. كما واجهت ألمانيا حرائق دفعت السلطات إلى إخلاء آلاف السكان من مناطق مهددة.
لكن الحرائق لم تكن الأزمة الوحيدة في أوروبا. فالجفاف الذي ضرب القارة منذ الربيع تفاقم خلال أغسطس بصورة لافتة، ما أدى إلى انخفاض منسوب العديد من الأنهار الرئيسية مثل الراين والدانوب والبو واللوار. وظهرت جزر رملية ومناطق كانت مغمورة بالمياه لعقود، بينما تأثرت حركة الملاحة النهرية ونقل البضائع والسياحة، في مشهد أعاد إلى الأذهان أسوأ سنوات الجفاف التي عرفتها أوروبا في العقود الأخيرة.
وفي إيطاليا، خطف بركان إتنا الأضواء مجددًا بعدما عاد إلى النشاط بقوة. وأدى تصاعد الرماد البركاني والحمم إلى اضطراب حركة الطيران في صقلية وإغلاق مطار كاتانيا لفترات متتالية، مع إلغاء وتحويل مئات الرحلات الجوية. ووصف مسؤولون الأزمة بأنها من أشد الاضطرابات التي تسبب فيها البركان خلال سنوات طويلة، خاصة أنها جاءت في ذروة الموسم السياحي.
ولم تقتصر الكوارث على أوروبا وأمريكا اللاتينية، ففي آسيا، شهدت عدة مناطق أمطارًا غزيرة وفيضانات موسمية ألحقت أضرارًا بالمنازل والبنية التحتية وأجبرت السلطات على تنفيذ عمليات إجلاء. كما سجلت اليابان هطول أمطار قياسية تسببت في خسائر بشرية وتعطل حركة النقل في بعض المناطق.
حرائق الغابات
وفي أمريكا الشمالية، استمرت حرائق الغابات في أجزاء من كندا والولايات المتحدة، حيث أجبرت النيران آلاف الأشخاص على مغادرة منازلهم، فيما ساهم الطقس الحار والجاف في صعوبة السيطرة على العديد من البؤر المشتعلة. كما شهدت بعض الولايات الأمريكية عواصف رعدية قوية وانقطاعات واسعة للكهرباء.
ويحذر خبراء المناخ، من أن تزامن هذه الأحداث في مناطق متعددة من العالم ليس مجرد مصادفة عابرة، بل يعكس اتجاهًا متزايدًا نحو الظواهر الجوية المتطرفة والكوارث الطبيعية الأكثر شدة. فموجات الحر الطويلة والجفاف الممتد والحرائق العملاقة أصبحت أكثر تكرارًا، فيما تزيد درجات الحرارة العالمية المرتفعة من احتمالات وقوع أحداث مناخية وجيولوجية ذات تأثير واسع.
ومع اقتراب النصف الثاني من أغسطس، يبدو أن العالم لم يطوِ بعد صفحة هذا الشهر العاصف. فمن زلزال كولومبيا المدمر إلى ثوران إتنا، ومن حرائق أوروبا التاريخية إلى جفاف الأنهار والفيضانات الآسيوية، تتشكل صورة عالم يواجه اختبارًا قاسيًا أمام تصاعد الكوارث الطبيعية، في وقت تتزايد فيه التحذيرات من أن مثل هذه المشاهد قد تصبح أكثر شيوعًا خلال السنوات المقبلة.