عندما دخل جحا رهانا مع الملك على رقبته، مقابل أن يُعلّم حماره القراءة فى غضون عشر سنوات، كان يُعوّل على أن يتكفل القدر بأحد أطراف الاتفاق. كان ماكرًا؛ إنما الحياة أشدّ مكرًا.
فى أحجية الطُرفة السيّارة تتساوى الاحتمالات، كأن يدخل الموت فى المُعادلة فيُسقطها فعلاً، أو يُطيل القدر فى الأعمار فيبقى الالتزام، وقد تنتقل الأعباء إلى الجيل التالى. كأن يرث السلطة ملك جديد، يتمسّك بما أقرّه الأسلاف!
تُنسَب الشخصية الشهيرة للأدب العربى؛ غير أن بعض المصادر والإحالات تردّها للثقافة الفارسية، ويبدو أن ورثتها الحاليين يسيرون على الدرب فى الاستنزاف وتقطيع الوقت.
تحبو ثورة الخمينى منذ اندلاعها صوب هدفٍ عالٍ، تتعثر فى الطريق حينًا، وتُناور العقبات أو تلتفّ عليها أحيانًا.
ولا مانع من تجرُّع كأس السمّ حينما تضطرّها الظروف، أو الاعتصام بالصبر الاستراتيجى، وهزيمة الأعداء بالسأم والانتظار؛ طالما نعجز عن النصر عليهم بالقوّة والاقتدار!
انحنت الجمهورية الإسلامية اضطرارًا للريح الهائجة من جهة العراق، وزحفت على بطنها ببطء حتى اقتصّت بأثر رجعى، وابتلعت بلاد ما بين النهرين فى بطنها الضخم، وتحت رايتها السوداء.
اقتربت من الغرب وابتعدت، وظلّت ترقص بخفّة واستخفاف على الحبل المشدود، والمُحصّلة أنها تضرّرت فى الاقتصاد والتنمية والاندماج بالمنظومة الدولية.
وتربّحت باقتطاع الخرائط وقضم أربع عواصم عربية من أصحابها، ويبدو أن الحسبة كانت مُرضية ومُجزية بحسب أهدافها المُعلنة والخفيّة.
ولا شكّ فى أنها صُدِمَت بالنازلة الثقيلة فى سنواتها الثلاث الأخيرة، ولم تستَفِق بعد من تآكل حزام المُمانَعة بدفاعاته المتقدمة، والقفز على أسوار الامبراطورية البعيدة، مع وصول النار إلى داخل البيت.
كما أنها لا تُرحّب قطعًا بخسارة ما اشتغلت عليه طيلة عقود، وأنفقت لأجله وقتا وثروات، ونزيفًا من شرعيّتها الشعبية وسلامة نسيجها الوطنى. وستفعل كل ما فى وِسعها؛ لكى لا تُجرَّد من أذرعها، أو ينقلب سحرها على الساحر.
والولايات المُتّحدة ليست ضيفًا جديدا على المنطقة، ولا كانت فى سفر بعيدٍ. كل ما جرى منذ السبعينيات إلى اليوم كان على مرأى منها، وبمعونتها فى كثير من الأحيان؛ حتى أنها سلّحت ميليشيا الحرس من القناة الإسرائيلية لمُقاتلة العراقيين فى حرب الخليج الأولى.
ربما يختلف ترامب عن سابقيه؛ أو أن المؤسسات الصلبة أعادت النظر فى استراتيجيتها للشرق الأوسط، وتكييف خططها المرحلية وبعيدة المدى.
إنما يظلّ مسؤولية التعقيد الراهن على عاتقها، ومحاولات الاستدراك أقرب للاعتذار وإن أنكرت، والمهم أنها لا يُمكن أن تجرى بأثر رجعىٍّ.
لدى الفُرس ذهن مُتّقد، ومُتّصل فى وعيه بالزمن البعيد. ولعلّه أحد الشعوب القليلة التى لم تنسَ ماضيها، ولم تتوقف عن الحنين له.
أى تحت جلودهم يتجاور الإخمينيون والساسانيون والصفويون وسُواهم، بجانب كراهية العرب والعباسيين، ورواسب الشوفينية والشعوبية.
الدولة إطار تبدّلت أحواله، والدين له حساباته الخاصة، وقد يُحتال عليها أحيانًا بالتحوّلات المذهبية من أعلى/ أى من قمة السلطة. والثابت الوحيد فى الهُوية العِرقية، وكل ما فوقها عارض، أو بغرض التضليل.
ربما صار الوضع أسوأ مع الملالى؛ إنما لم يكن السوء غائبًا تمامًا قبلهم. غرور الآريين ممزوج بفخر الامبراطوريات القديمة، وأطماع ذوى الهوى الاستعمارى ونزعات التمدّد.
وكل ذلك، مع وقائع فعلية تضمنت قضم الأراضى وابتلاع البشر، سواء فى الإمارات العربية على الشاطئ الشرقى للخليج، ومنها الأحواز، أو فى الجُزر المُحتلّة فى المضيق.
وبعضها مُورِسَت حتى السبعينيات، ويُمكن الوصول للحاضر لو أضفنا توسّعهم فى العراق ولبنان واليمن، وسوريا قبل أن تُنتَزع من الهلال الشيعى.
والقصد؛ أن إيران الفكرة والذهنية لن تتحول إلى الضدّ الطبيعى بإرادتها، ولا فى أى مدى منظور. وأقصى ما يُمكن أن تُردَع، أو تضطرّها الظروف للكُمون، بجانب إفساح المجال لتغييرها اجتماعيا وثقافيا من القاعدة، مع العلم أنها عملية طويلة ومُرهقة، وغير مضمونة النتائج.
وعليه؛ فإنها تُهادن الجوار على نيّة تعديل شروط العلاقة لاحقًا، وحالما تسمح الظروف. تُقاتِل للاستنزاف لا الحسم، وتُفاوض لالتقاط الأنفاس وتعرية شركاء الطاولة أمام جماهيرهم.
وتُراهن إما على انفلاتها والتزام المُحيط، أو على أنها ثابتة على حالها، والغرب بشيطانه الأكبر تُغيّرهم الانتخابات.
استهلك الرئيس الأمريكى ثُلث فترته الثانية مع الملالى وجنرالاتهم فى اللا شىء تقريبا. بدأ الحوار منذ عودته للبيت الأبيض، ثم خاض جولة قتالية سريعة بجانب الصهاينة؛ فتفاوض آخر؛ فحرب ثانية مُتقطّعة حتى الآن، وفى الفواصل وساطات ورسائل خفيّة وُمتضاربة من الجانبين.
أحدث الإشارات؛ أنه أوعز لمستشاريه بوقف المفاوضات الجارية، مؤكّدًا فى الوقت ذاته أن مضيق هُرمز مفتوح، ويعمل، وتحت سيطرة قواته مع إعلانه إقليما أمريكيا؛ وإن على سبيل السخرية التى لوّح بها سابقًا، وصوّبها مُتحدّثوه بعدها.
وأن يصف الاختناق الراهن بأية صفة غير الانسداد؛ بل تنطوى ضمنيا على ادّعاء الطبيعية وانتظام السريان؛ فالمعنى أنه يقبل الوضع القائم، ويُمكن أن يستمر فيه طويلاً.
وما وراء ذلك؛ أنه يحتمل التداعيات الاقتصادية الناشئة عن تقييد الملاحة، ويُعوّل على الخنق الذى يُرتّبه الحصار البحرى على طهران، ويُجاريها فى لعبة عض الأصابع؛ لغضبٍ متصاعدٍ فى نفسه منها، أو لخوفه من الآثار الجانبية لاتفاق أكثر سوءًا، أو لخطوة تُعدّ تنازلاً، وتصوّره فى حال ضعفٍ ورخاوة.
وإذا كانت ثمانية عشر شهرًا اشتملت على معركتين إحداهما طويلة، وعِدّة جولات حوار بين خمس أو ست بلدان فى ثلاث قارات؛ فغالب الظن أن ثُلثى الولاية الباقيين لن يحقّقا ما عجز عنه الثُلث الضائع، وسيبقى الوضع مُرتبكًا ومُتقلّبًا، ولعلّ هذا ما يبتغيه الولى الفقيه، أو من ينوب عنه فى الحُكم من تحت عِمامته.
إيران الرسمية تُفاوض ولا تفاوض، وتتناطح أجنحتها علنًا وفى الخفاء. وما بين تقسيم الأدوار، أو صدقيّة الخلافات وتنافر المصالح، يبدو المجال غائمًا للناظرين، وللبيئة الداخلية، وربما لبعض الفاعلين فى بنية السلطة وقلبها الحاكم.
انتهت هُدنة الشهران بلا لقاءات ولا اتفاق، وقد ينجح الوسطاء فى تجديدها؛ لتسقط بعد أيام أو أسابيع. يتعالى ضجيج السلاح ويخفُت، وتلتئم الطاولات وتنفضّ، ويلفّ الجميع فى دائرة مُغلقة.
الأرجح؛ أن ولاية ترامب ستنتهى على ما نحن فيه؛ إلا لو تفجّرت مفاجأة من خارج الأُفق؛ كأن يتسرّب الإسرائيليون من شقوق العَجز وسوء الفهم بين الغريمين.
التوتر يخدم طهران، والتهدئة تضرّها، والمنطقة تحرّكت فى اتجاه لن تعود عنه، ولا يملك طرف أن يُحدّده بمعزلٍ عن الآخرين. وما يُمكن الجزم به؛ أنه لن يكون زمنًا للدويلات والميليشيات والحناجر الصاخبة.