مبدأ واحد، تعاملت به مصر - وفقاً لثوابتها - على مدى السنوات الماضية مع قضية الأمن المائي، وهو أنها "قضية وجودية" تمس صميم أمنها القومي واستقرارها ومستقبل أجيالها المقبلة.
هذا المبدأ جاء انطلاقًا من حقوق الدولة المصرية التاريخية والمشروعة في مياه نهر النيل، وفي ضوء القواعد والمبادئ التي أقرها القانون الدولي للمجاري المائية العابرة للحدود.
على مدى هذه السنوات، تتحرك الدولة المصرية في مواجهة الإجراءات الإثيوبية الأحادية المتكررة، عبر مسارات متوازية تجمع بين الأدوات القانونية والدبلوماسية والسياسية، إلى جانب تعزيز قدراتها الفنية والداخلية على إدارة مواردها المائية بنجاح.
قبل أيام تحدث الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية في تصريحات صحفية، عن أن قضية المياه «وجودية وهي قضية مصر الأولى ولا يمكن التهاون بها»، وأن القاهرة حذرت مرارًا من الإجراءات الأحادية التي اتخذتها إثيوبيا بشأن سد النهضة.
وزير الخارجية أشار في حديثه إلى أن إنشاء السد تم، من وجهة النظر المصرية عبر إجراءات أحادية لم تراعِ قواعد القانون الدولي، ولا سيما ما يتعلق بمبدأ الإخطار المسبق، وكذلك مبدأ عدم التسبب في إحداث ضرر لدول المصب. كما أشار إلى أن مصر لم تحصل على الدراسات الكافية المتعلقة بمعاملات الأمان والانعكاسات البيئية للمشروع، وأنه لا يمكن لدولة من دول المنبع أن تتصرف بصورة منفردة دون مراعاة مصالح دول المصب بأكلمها.
عبد العاطي شدد على وضوح قواعد القانون الدولي المنظمة للمجاري المائية العابرة للحدود، خاصة أن نهر النيل ليس نهرًا إثيوبيًا، وإنما مجرى مائي عابر للحدود، ومن ثم تخضع الاستفادة منه للقواعد والمبادئ القانونية الدولية التي تضمن الاستخدام المنصف والمعقول للمياه، وتحظر الإضرار الجسيم بالدول الأخرى.
المسارين القانوني والدبلوماسي يمثلان أحد أهم ركائز التحرك المصري، فالقاهرة تستند إلى قواعد القانون الدولي المنظمة للأنهار والمجاري المائية العابرة للحدود، والتي تؤكد أهمية التعاون والتنسيق بين الدول المعنية، وعدم اتخاذ إجراءات منفردة من شأنها الإضرار بمصالح الدول الأخرى. وفي هذا الإطار، تواصل مصر طرح القضية في المحافل الدولية، بما في ذلك الأمم المتحدة ومجلس الأمن، للتأكيد على طبيعة المخاطر المرتبطة بالإجراءات الأحادية، وضرورة التوصل إلى إطار قانوني ملزم يضمن حقوق جميع الأطراف.
القاهرة تتمسك بضرورة إبرام اتفاق قانوني وملزم بشأن قواعد ملء وتشغيل سد النهضة، بما يضمن وجود قواعد واضحة للتعامل مع فترات الجفاف والجفاف الممتد، ويحفظ مصالح دولتي المصب، مصر والسودان، ويمنع تحول إدارة مورد مائي مشترك إلى مصدر دائم للتوتر وعدم الاستقرار.
ولم يقتصر التحرك المصري على المسار القانوني، بل إمتد إلى بناء شبكة واسعة من العلاقات والشراكات مع دول حوض النيل والدول الإفريقية، بما يعزز مفهوم التعاون المشترك ويؤكد على أن قضية مياه النيل لا ينبغي أن تكون مجالًا للصراع، وإنما للتنسيق وتحقيق المصالح المتبادلة.
ويمثل التنسيق المصري - السوداني عنصرًا مهمًا في هذا السياق، وذلك في ظل تشابك المصالح المائية والاستراتيجية بين البلدين، وحرصهما على حماية حقوق ومصالح شعبي وادي النيل، ورفض الإجراءات الأحادية التي قد تفرض أمرًا واقعًا على دول المصب كلها.
وسعت القاهرة إلى حشد الدعم الدولي والإقليمي لموقفها، والتأكيد أمام القوى الدولية والمنظمات الإقليمية، وفي مقدمتها جامعة الدول العربية، على ضرورة احترام قواعد القانون الدولي وعدم فرض الأمر الواقع في القضايا المرتبطة بالموارد المائية المشتركة.
وبالتوازي مع التحرك الخارجي، عملت الدولة المصرية على تعزيز قدرتها الداخلية على إدارة الموارد المائية، من خلال تنفيذ مجموعة من المشروعات القومية التي تستهدف زيادة كفاءة استخدام المياه وتنويع مصادرها وتقليل الفاقد.
وشملت هذه الجهود مشروعات تبطين وتأهيل الترع، وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي بعد معالجتها، والتوسع في تحلية مياه البحر، إلى جانب تطوير منظومة إدارة الموارد المائية بما يساعد على التعامل مع أي ضغوط مستقبلية على الموارد المتاحة. كما يمثل السد العالي وبحيرة ناصر أحد أهم عناصر منظومة إدارة المياه في مصر، بما يوفر قدرة فنية على التعامل مع التذبذبات المؤقتة في تدفقات المياه والمساهمة في مواجهة فترات الجفاف.\
مصر تؤكد باستمرار أن حق إثيوبيا في التنمية لا يمثل محل خلاف، وأن التنمية حق مشروع لجميع الدول، إلا أن ممارسة هذا الحق يجب ألا تكون على حساب حقوق دول أخرى أو مصالحها الحيوية.
ومن هنا، تقوم الرؤية المصرية على قاعدة أساسية مفادها أن التعاون والتنمية المشتركة يجب أن يكونا الطريق إلى إدارة موارد نهر النيل، وليس الإجراءات الأحادية أو فرض الأمر الواقع.
"القضية الوجودية" تكتسب أهمية استثنائية بالنسبة لمصر، التي تعتمد بصورة كبيرة على نهر النيل في تلبية احتياجاتها المائية، إذ ترتبط حياة أكثر من مائة مليون مواطن بشكل مباشر باستدامة الموارد المائية.
وبينما تواصل القاهرة تحركاتها القانونية والدبلوماسية والسياسية، فإنها تعمل في الوقت ذاته على تعزيز قدراتها الداخلية في إدارة المياه وتنويع مصادرها ورفع كفاءة استخدامها.
وسط كل هذه التحركات والمسارات، تظل الرسالة المصرية الواضحة: أن حق إثيوبيا في التنمية مكفول.. لكن التنمية لا يمكن أن تتحول إلى وسيلة للإضرار بحق مصر التاريخية في الحياة.