في خضم ما نعيشه اليوم من تسارع للأحداث ومن مطبات حضارية، أجد نفسي أتساءل كثيرًا عن الخيط الرفيع الذي يفصل بين قدرتنا على الصمود واستسلامنا الكامل للواقع، فأعود بالذاكرة والتحليل لأدرك أن هذا الخيط ليس سوى الأمل، ليس ذلك الأمل العاطفي مجردًا، لكنه ذلك الأمل باعتباره صناعة، وفعل وعي وخيارًا استراتيجيًا.
حين نتأمل التاريخ الإنساني بعين تحليلية نكتشف أن اليأس لم يكن يومًا مجرد شعور فردي يؤدي بصاحبه إى الاكتئاب أو الانعزال، لكنه بصورة أعمق كان منعطفًا عنيفًا دمر مجتمعات بكاملها، ففي أواخر أربعينيات القرن الماضي، وعقب الحرب العالمية الثانية التي خلفت أكثر من 70 مليون قتيل، وسببت دمارًا طال البنية التحتية للقارة الأوروبية كاملة، لم يكن النهوض مجددًا سوى عبر قرار واعٍ بالبناء وإعادة الإعمار، وهو الأمر الذي بدا السبب الأكثر وضوحا في التجربة اليابانية بعد تدمير مدينتي هيروشيما وناجازاكي بفعل القنبلة الذرية التي كانت أكبر وأعنف عملية قتل جماعي في التاريخ.
وفي المقابل، تشير دراسات علم النفس الاجتماعي والتاريخ السياسي إلى أن أوقات الشك والاستسلام كانت دومًا البيئة الخصبة لظهور الشمولية، حيث يقل التحليل النقدي وتزيد حالة الانكفاء والتراجع.
تكمن الخطورة الكبرى إذن في أن عدم التركيز على الأمل يجعل الأمور أكثر سوءًا؛ فحين يتوقف الإنسان عن ممارسة الأمل يصبح هذا التوقف تعميقا مباشرا للأزمة، غير أن صناعة الأمل تقتضي منّا التحرر من فكرتين.
الفكرة الأولى هي الاعتماد الكامل على التاريخ، أي الارتهان المفرط للماضي وتوهم أن الحلول مخزنة بالكامل في رفوف القدامى، وكأن الزمن توقف عن إنتاج معطيات جديدة، أما الفكرة الثانية، فهي التسليم بأن الحاضر لا يمكنه أن يكون أبدع مما كان، وهو منطق استسلامي يتجاهل قدرة العقل الإنساني على الابتكار والتكيف مع المعطيات الحديثة، وفي الغالب يروجه المسئولون الذين لا يملكون حلولا حقيقية لمشكلات الحاضر.
إن الأمل إذن هو ذلك الفعل اليومي الذي نغير به أدواتنا ونطور به وعينا، وهو ما يجعلنا على الدوام بحاجة إلى استيعاب دروس التاريخ دون التقيد بأغلاله، وفهم الحاضر دون الانكسار أمام تحدياته، فالمستقبل لا يصنعه الرضا بالواقع ولا البكاء على الأطلال، المستقبل يصنعه المجهود الفكري والعملي الموجه نحو الإمكانات والحلول البديلة.
نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى إعادة اكتشاف ذواتنا – الفردية والقومية – وقدراتنا على البقاء والتطور، نحتاج إلى إعادة صناعة الأمل كضرورة إنسانية وفكرية حتمية؛ لأنه الأداة الوحيدة التي تضمن لنا إعادة خلق مستقبلنا من جديد، وتحيل الحاضر من ساحة للاستنزاف إلى منصة للابتكار والبناء.