لم تعد أزمات الشرق الأوسط تفهم باعتبارها مجموعة من النزاعات المنفصلة، بل أصبحت تعبيرا عن أزمة أعمق تتعلق بمستقبل النظام الإقليمي نفسه، فما يجري في غزة ولبنان وسوريا واليمن والسودان وليبيا والبحر الأحمر لا تتحرك أحداثه في مسارات متوازية، وإنما تتداخل فيها اعتبارات الجغرافيا والطاقة والممرات البحرية والتنافس بين القوى الإقليمية والدولية، بحيث أصبح أي اضطراب في إحدى الساحات قادرا على إنتاج تداعيات تتجاوز حدودها إلى بقية المنطقة.
وهذا التحول يفرض إعادة تعريف مفهوم الأمن القومي العربي؛ فلم يعد الأمن مجرد حماية للحدود، بل أصبح قدرة جماعية على حماية الدولة الوطنية، وتأمين الممرات الاستراتيجية، ومنع القوى الخارجية من فرض ترتيبات أمنية لا تعكس مصالح شعوب المنطقة.
لقد كشفت السنوات الأخيرة أن أخطر ما يهدد العالم العربي ليس قوة خصومه فقط، بل هشاشة نظامه الإقليمي، فحين تضعف الدولة الوطنية، لا ينشأ فراغ محايد، وإنما تتقدم الميليشيات والقوى الإقليمية والدولية لملئه، فتتحول بعض الدول إلى ساحات لتصفية الحسابات، ومن هنا فإن المعركة الحقيقية في الشرق الأوسط ليست فقط حول من يربح حربا أو يخسر أخرى، وإنما حول بقاء الدول العربية ككيانات مستقلة قادرة على اتخاذ قراراتها، أم تحولها إلى مناطق نفوذ تتقاسمها القوى الكبرى والإقليمية.
وتأتي القضية الفلسطينية في قلب هذه المعادلة، لأنها أثبتت أن تجاهل جذور الصراع لا يؤدي إلى الاستقرار، بل إلى تأجيل الانفجار، فالحرب في غزة أعادت القضية الفلسطينية إلى مركز التفاعلات الإقليمية، وكشفت أن أمن مصر والمشرق العربي والبحر المتوسط والبحر الأحمر لا يمكن فصله عن مستقبل فلسطين، ولذلك فإن الدور المصري في هذا الملف لا ينبغي النظر إليه باعتباره وساطة عادية، بل باعتباره محاولة لمنع الصراع من تجاوز حدوده وتحوله إلى مواجهة إقليمية أوسع، وهو ما منح القاهرة دورًا يتجاوز إدارة الأزمة إلى حماية التوازن الإقليمي.
وفي الوقت نفسه، تكشف أزمات اليمن ولبنان وسوريا أن انهيار مؤسسات الدولة يفتح الباب أمام تعدد مراكز القوة، ففي اليمن مثلًا لم يعد الصراع شأنا داخليا، لأن تداعياته امتدت إلى البحر الأحمر وباب المندب، أحد أهم شرايين التجارة العالمية، وهنا تتضح وحدة الأمن العربي، فأمن الخليج يرتبط بأمن البحر الأحمر، وأمن البحر الأحمر يرتبط باستقرار اليمن، واستقرار اليمن يتطلب دولة قادرة على احتكار السلاح والقرار، وهذه السلسلة تكشف أن الأمن في المنطقة أصبح شبكة مترابطة لا يمكن تجزئتها.
كما أن الممرات البحرية تحولت إلى أحد أهم عناصر القوة الجيوسياسية، فمضيق هرمز وباب المندب لم تعد مجرد طرق للتجارة، بل أصبحت أوراق ضغط في الصراعات الإقليمية، لأن أي اضطراب فيها ينعكس فورا على أسعار الطاقة، وحركة التجارة، وتكاليف النقل والتأمين، ومن هنا تكتسب مصر مكانة استثنائية، فموقعها بين البحرين المتوسط والأحمر وامتلاكها قناة السويس يجعلها جزءًا أساسيًا من أمن هذه الممرات، وبالتالي من استقرار الاقتصاد العربي والعالمي.
غير أن ما يجري في المنطقة يتجاوز الصراع على الممرات أو الحدود؛ إنه صراع على شكل الشرق الأوسط المقبل، فإيران تسعى للحفاظ على نفوذها الإقليمي، وإسرائيل تعمل على إعادة تشكيل بيئتها الأمنية وفق مفهوم التفوق والردع، وبعض الدول تسعي إلى توسع حضورها السياسي والعسكري، بينما تبحث دول الخليج عن ترتيبات أمنية أكثر استقلالا في ظل تغير أولويات القوى الدولية، وبين هذه المشاريع المتنافسة يظل السؤال الأهم، متى يمتلك العرب مشروعا أمنيا خاصا بهم، أم سيظلون يتعاملون مع نتائج مشروعات الآخرين؟
هنا تحديدا تتجلى أهمية مصر، فالقاهرة لا تستمد وزنها من قوتها العسكرية فقط، بل من اجتماع عناصر نادرًا ما تتوافر في دولة واحدة، الموقع الجغرافي، والكتلة السكانية، والقدرة العسكرية، والعمق الدبلوماسي، والارتباط المباشر بمعظم ملفات المنطقة، فهي حاضرة في القضية الفلسطينية، وأمن البحر الأحمر، وأزمات ليبيا والسودان، وعلاقات الخليج، وهو ما يجعلها دولة يصعب تجاوزها في أي تصور جاد للأمن الإقليمي.
قوة مصر لم تفهم يوما باعتبارها مشروع هيمنة، بل باعتبارها عنصر توازن، فالمنطقة لا تحتاج إلى دولة تفرض إرادتها على الآخرين، وإنما إلى دولة تمتلك من الثقل ما يمنع انهيار التوازنات وهذه هي فلسفلة الرئيس عبدالفتاح السيسي في السياسة الخارجية، أن الفراغ في الشرق الأوسط لا يدوم؛ إذا تراجع الدور العربي تقدمت قوى أخرى، وإذا ضعفت الدول تمددت الميليشيات، وإذا غابت الدبلوماسية أصبحت قرارات الحرب والسلام أكثر ارتباطًا بعواصم خارج المنطقة، ومن هذه الزاوية تصبح قوة مصر مصلحة عربية، لأنها تقلل من احتمالات الفراغ الاستراتيجي.
ومع ذلك، فإن مستقبل الأمن العربي لا يمكن أن يبنى على دوله واحدة، فالمشكلة العربية لم تكن يوما نقصًا في الموارد، بل عجزا عن تحويلها إلى قوة جماعية، العالم العربي يمتلك قدرات مالية هائلة، وجيوشا كبيرة، وموقعا جغرافيا استثنائيا، لكنه يفتقر إلى مؤسسات فعالة للإنذار المبكر، وتبادل المعلومات، والتنسيق الدفاعي، وحماية الأمن البحري والسيبراني، لذلك فإن الطريق الواقعي ليس الحديث عن جيش عربي موحد في المدى القريب، بل بناء شبكة أمن عربي تتكامل فيها القدرات وتدار عبر مؤسسات مشتركة.
والأمن في القرن الحادي والعشرين لم يعد عسكريا فقط، فالدول يمكن أن تضعف بالعقوبات، أو الهجمات السيبرانية، أو تعطيل التجارة، أو استهداف البنية التحتية، أو حروب المعلومات، ولذلك فإن أي منظومة عربية جادة تحتاج إلى قاعدة اقتصادية وتكنولوجية قوية، وهنا تستطيع مصر بما تملكه من سوق واسعة وقاعدة صناعية وموقع لوجستي أن تكون أحد محاور التكامل العربي، إلى جانب القدرات المالية والتكنولوجية للدول العربية الأخرى.
إن الرؤية المصرية للأمن القومي العربي تنطلق من مبدأ أن قوة أي دولة عربية لا تنتقص من قوة الأخرى، فاستقرار الخليج يخدم مصر، واستقرار العراق وسوريا يخدم المشرق، واستقرار ليبيا والسودان يحمي شمال أفريقيا والبحر الأحمر، وحل القضية الفلسطينية يفتح الباب أمام نظام إقليمي أكثر استقرارًا، وعندما تتحول هذه المصالح المتداخلة إلى مؤسسات وآليات مشتركة، يصبح الأمن العربي ممكنا.
وفي لحظة يعاد فيها تشكيل الشرق الأوسط، تقف مصر كأحد أهم مراكز الثقل القادرة على الانتقال بالعرب من إدارة الأزمات إلى بناء منظومة أمنية أكثر استقلالًا، فمصر القوية ليست قوة على حساب الآخرين، وإنما ركيزة لتوازن عربي أوسع، ودورها الحقيقي لا يتمثل في قيادة المنطقة بمنطق الهيمنة، بل في حماية فكرة النظام العربي ذاته: دول ذات سيادة، وقرار مستقل، وقدرة جماعية على الردع، ودبلوماسية تمنع الصراعات من التحول إلى حروب مفتوحة، وهذا ما يؤكد عليه الرئيس السيسي دائما في كافة المحافة الدولية.
مصر ليست فقط إحدى ركائز الأمن العرب فقط، بل أحد الضمانات الأساسية لاستمرار الدولة الوطنية العربية وحماية المصالح المشتركة وصياغة مستقبل أكثر استقرارا في منطقة تعيش واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا.