في وقت تمضي فيه الدولة بخطى ثابتة نحو تعزيز الاستقرار ومواجهة التحديات الإقليمية والدولية، لا تتوقف الجماعة الإرهابية عن البحث عن مسارات جديدة لإعادة إنتاج الفوضى، مستغلة المنصات الرقمية والإعلامية في الخارج لإطلاق حملات تحريض ممنهجة تستهدف النيل من ثقة المواطنين في مؤسسات دولتهم، وإعادة إحياء سيناريوهات الفوضى التي لفظها المصريون بإرادتهم ووعيهم.
وفي قلب هذه المنظومة يبرز اسم أحمد الشناف، الذي تحول إلى أحد أبرز القائمين على إدارة غرف التحريض الإلكتروني، حيث يعمل على تنسيق الحملات الإعلامية، وإدارة المحتوى التحريضي، وتوجيه الكتائب الإلكترونية التي تتولى تضخيم الأحداث، وتزييف الحقائق، وصناعة حالة مصطنعة من الاحتقان، أملا في خلق واقع افتراضي يختلف تماما عن الواقع على الأرض.
التحركات التي يقودها الشناف لا تعتمد على ردود أفعال عفوية أو اجتهادات فردية، وإنما تأتي ضمن خطة منظمة تعتمد على توزيع الأدوار بين عدد من المنصات والحسابات التي تتحرك في توقيت واحد، وتستخدم الخطاب ذاته، والوسوم نفسها، والرسائل المتطابقة، بما يؤكد وجود إدارة مركزية تقف خلف تلك الحملات، هدفها الأول صناعة رأي عام مزيف وإيهام المتابعين بوجود حالة غضب واسعة لا تعكس حقيقة المشهد.
وتبدأ الخطة، بحسب متابعين، برصد أي أزمة أو حادث أو تحد اقتصادي، ثم إعادة تقديمه بصورة مشوهة، مع تجاهل الحقائق والبيانات الرسمية، والاعتماد على عناوين مثيرة ومنشورات مجتزأة ومقاطع فيديو خارج سياقها، في محاولة لتحويل أي حدث إلى مادة للتحريض السياسي، وإقناع المواطنين بأن الدولة عاجزة عن إدارة الأوضاع، رغم أن الوقائع على الأرض كثيرا ما تكشف زيف هذه الروايات.
ولا يقتصر الدور على تضخيم الأحداث، بل يمتد إلى اختلاق الشائعات بصورة يومية، وإعادة تدوير الأكاذيب القديمة، وإحياء وقائع سبق نفيها، مع الاعتماد على جيش من الحسابات الوهمية لإعادة نشر المحتوى بكثافة، بما يمنح انطباعا زائفا بانتشاره، بينما تقف خلفه غرف إلكترونية تعمل وفق آليات منظمة، وتتحرك بتكليفات محددة وأهداف معلومة.
كما تعتمد تلك الحملات على استغلال الأوضاع الإقليمية والضغوط الاقتصادية العالمية، ومحاولة ربطها بالوضع الداخلي بصورة مضللة، لإثارة المخاوف وبث الإحباط بين المواطنين، في الوقت الذي تتجاهل فيه ما تشهده المنطقة بأكملها من تحديات غير مسبوقة، وتسعى إلى تصوير كل أزمة عالمية باعتبارها دليلا على فشل الدولة، في خطاب يفتقد إلى الموضوعية ويقوم على الانتقائية المتعمدة.
وفي إطار هذه الاستراتيجية، يسعى الشناف ومن يدور في فلكه إلى تصدير أنفسهم باعتبارهم أوصياء على الشارع المصري، بينما يمارسون نشاطهم من خارج البلاد، بعيدا عن أي احتكاك مباشر بالواقع، مكتفين بإطلاق الدعوات التحريضية ومحاولات الدفع بالمواطنين نحو مسارات التصعيد، دون أن يتحملوا أي تبعات لما يدعون إليه، وهو ما يعكس تناقضا واضحا بين الخطاب الذي يروجون له، والواقع الذي يعيشونه.
وبحسب الباحث المتخصص في شؤون الحركات المتطرفة ماهر فرغلي، فإن ما يعرف بـ"إعلام الإخوان" لم يعد يقتصر على منصات متفرقة أو كيانات تعمل بصورة منفصلة، وإنما تحول إلى شبكة إعلامية متكاملة ذات هيكل تنظيمي مركزي، تديرها جهة رئيسية تحمل اسم "فضاءات ميديا"، وهي شركة خدمات إعلامية أسسها وضاح خنفر في لندن، وتقوم بدور المحرك الرئيسي لهذه المنظومة الإعلامية.
وأشار فرغلي إلى أن إدارة هذه الشبكة تضم عددا من العناصر الفاعلة، من بينهم عبد الرحمن أبو دية، إلى جانب أحمد زينهم وأحمد الشناف، مؤكدا أنهم يمثلون أحد المحاور الرئيسية في إدارة المنظومة الإعلامية بصورة غير معلنة، بالإضافة إلى الإشراف على شبكات إلكترونية ومواقع إخبارية ومنصات رقمية، كان أحدثها منصة "ميدان".
وأوضح أن "فضاءات ميديا" تعمل كغرفة عمليات إعلامية متكاملة، تدير من خلالها شبكة واسعة من القنوات الفضائية والمنصات الرقمية والمواقع الإخبارية، من بينها شبكة رصد وصحيح مصر وقناة وطن وقناة الشعوب، إلى جانب عدد من المواقع الإخبارية الأخرى، فضلا عن إنتاج محتوى مرئي وصوتي يشمل برامج وأفلاما قصيرة وبودكاستات، يتم نشرها بصورة متزامنة عبر أكثر من منصة وقناة.
وأضاف أن هذه المنظومة لا تعمل بصورة عشوائية، وإنما تعتمد على هيكل تنظيمي يوزع الأدوار بين عدد من الكيانات الإعلامية والإلكترونية، بما يحقق توحيد الرسائل الإعلامية، ويضمن إعادة إنتاج المحتوى بصيغ متعددة وتوسيع نطاق انتشاره عبر منصات مختلفة.
ولفت إلى أن الشبكة تضم عددا من العاملين في مجالات الإعلام والإنتاج الرقمي، إلى جانب منصات إلكترونية ومواقع إخبارية تعمل بشكل متواز، لكنها تتحرك داخل إطار تنظيمي واحد يسمح بإدارة المحتوى وتوجيهه وفق أهداف إعلامية وسياسية محددة.
وأكد فرغلي أن "فضاءات ميديا" تمثل نقطة الارتكاز الرئيسية داخل هذه المنظومة، حيث تتقاطع عندها عمليات التمويل والإنتاج والتوزيع الإعلامي، وهو ما يمنحها القدرة على إدارة دورة المحتوى بالكامل، بداية من إنتاجه، مرورا بإعادة صياغته، وانتهاء بإعادة نشره عبر شبكة واسعة من المنصات والحسابات الرقمية.
وأشار كذلك إلى أن آلية عمل هذه الشبكة تعتمد بصورة كبيرة على أدوات الإعلام الرقمي، وخاصة منصات التواصل الاجتماعي، من خلال إعادة تدوير المحتوى، وتكثيف تداوله، بما يسهم في توسيع نطاق انتشاره وإحداث تأثير متكرر على الجمهور المستهدف.
واختتم فرغلي بالإشارة إلى أن هذا النمط من العمل الإعلامي يركز على القضايا السياسية والاقتصادية الحساسة، من خلال خطاب إعلامي متزامن ومتكرر عبر أكثر من منصة، بما يسهم في صناعة حالة من الجدل وإرباك المشهد العام، عبر رسائل متشابهة تصل إلى المتلقي من مصادر متعددة في الوقت نفسه.
وهذا النوع من النشاط يندرج ضمن أدوات حروب الجيل الخامس، التي تعتمد على استهداف الوعي الجمعي، وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة، وإثارة الشكوك، وإغراق الفضاء الإلكتروني بالشائعات والمعلومات المضللة، باعتبار أن المعركة لم تعد تعتمد على السلاح التقليدي، وإنما على التأثير النفسي والإعلامي ومحاولات تشكيل الإدراك العام.
ورغم الإمكانات التي توظفها تلك المنصات، وما تمتلكه من شبكات إلكترونية وحسابات وهمية، فإن التجربة أثبتت أن وعي المصريين كان ولا يزال الحصن الحقيقي في مواجهة هذه المخططات، فقد أدرك المواطنون، بعد سنوات من محاولات بث الفوضى، أن الشعارات التي ترفعها الجماعة الإرهابية ليست سوى غطاء لمشروع يقوم على إسقاط الدول وإرباك المجتمعات، وأن استغلال معاناة المواطنين وتحويلها إلى وقود لحملات التحريض لا يخدم سوى الجهات التي تراهن على إضعاف الدولة المصرية.
وتؤكد الوقائع أن حملات الإرهابي أحمد الشناف، مهما ارتفع صوتها على منصات التواصل الاجتماعي، تظل رهينة العالم الافتراضي، بينما يصطدم تأثيرها على أرض الواقع بوعي المواطنين، وقدرة مؤسسات الدولة على مواجهة الشائعات وكشف زيفها، وهو ما جعل محاولات استنساخ مشاهد الفوضى تتراجع عاما بعد آخر، رغم استمرار محاولات التحريض وتبدل أدواتها.
وتبقى الدولة المصرية أكبر من أن تهزها حملات إلكترونية أو دعوات تصدر من الخارج، ويبقى استقرار الوطن خطا أحمر يدرك المصريون قيمته جيدا بعد ما شهدته المنطقة من انهيار دول دفعت ثمنا باهظا للفوضى. أما وصايا سماسرة الدم، ومحاولات أحمد الشناف إعادة تدويرها في ثوب جديد، فلن تكون سوى حلقة جديدة في مسلسل التحريض الذي فقد تأثيره أمام وعي شعب يتمسك بدولته، ويعرف جيدا أن الحفاظ على الاستقرار هو الضمانة الحقيقية لمستقبل الوطن.