من يثبت أن الكاتب كتب كتابه؟.. أزمة التأليف فى زمن الذكاء الاصطناعى

الأحد، 02 أغسطس 2026 11:00 ص
من يثبت أن الكاتب كتب كتابه؟.. أزمة التأليف فى زمن الذكاء الاصطناعى روبوت يقرأ

أحمد إبراهيم الشريف

قبل سنوات قليلة، كان اسم الكاتب المطبوع على غلاف الكتاب يمثل الإجابة الطبيعية عن سؤال التأليف، وكانت المسودات والملاحظات والعمليات الطويلة التى تسبق النشر تفاصيل تخص صاحب العمل ومحرره، ومع دخول أدوات الذكاء الاصطناعى إلى عالم الكتابة، أصبح النص النهائى جزءًا من عملية إثبات أوسع، تشمل الطريقة التى نشأ بها الكتاب، والمراحل التى مر بها، وحجم التدخل البشرى فى صياغته.

عاد هذا السؤال إلى الواجهة بعد انهيار صفقة نشر رواية بوليسية أولى للكاتب جيرى فالادى، حملت عنوان "اتصل بى.. سأخفى الجثة"، بعدما تلقت عرضًا تجاوز مليونى دولار، وسط منافسة بين عدد كبير من دور النشر، وأعلنت الوكالة الأدبية سحب الرواية، موضحة أنها واجهت صعوبة فى توثيق الكيفية التى تطور بها المخطوط من الفكرة الأولى إلى نسخته النهائية، فيما أكد فالادى أنه كتب الرواية بنفسه، وربط الشكوك بتحيزات داخل صناعة النشر.
تكشف الواقعة عن تحول جديد فى صناعة الكتاب، حيث أصبح الناشر والوكيل الأدبى والقارئ أمام سؤال يتجاوز جودة الرواية وجاذبية شخصياتها، كيف يمكن التأكد من أن الكلمات التى تحمل اسم الكاتب خرجت من تجربته وخياله وعمله، وما الأدلة التى يستطيع تقديمها عندما تظهر شكوك حول مشاركة برنامج ذكى فى صناعة النص؟

المسودة تتحول إلى شاهد على رحلة الكتابة

يمتلك كل كتاب تاريخًا سابقًا على لحظة طباعته، يبدأ بفكرة أو جملة أو شخصية ثم يتوسع عبر ملاحظات متفرقة وخطط للفصول ومسودات متتابعة وصولًا إلى النسخة التى تصل إلى الناشر.

هذه المراحل يمكن أن تشكل سجلًا يساعد الكاتب فى توثيق عمله، خاصة عند الاحتفاظ بالمسودات المؤرخة، والنسخ المختلفة من الفصول والملاحظات المكتوبة والمصادر التى اعتمد عليها والمراسلات المتبادلة مع المحررين والقراء الأوائل.

وتوفر برامج الكتابة والتخزين السحابى سجلًا زمنيًا للتعديلات، يظهر متى أُنشئ الملف، وكيف انتقل النص من بضعة أسطر إلى فصل كامل، والعبارات التى حُذفت أو أعيدت صياغتها. ويمنح هذا السجل صورة عن حركة النص عبر الزمن، ويكشف أن الكتاب ظهر من خلال عملية متدرجة شارك فيها صاحبه يومًا بعد يوم.

يمكن كذلك الاستعانة بالمراسلات التى ناقش فيها الكاتب أفكاره، والمقابلات التى أجراها خلال البحث، والوثائق التى جمعها، والتعليقات التى تلقاها على النسخ الأولى. كل وثيقة من هذه الوثائق تمثل حلقة فى سلسلة التأليف، وتساعد على تكوين صورة متكاملة عن الطريق الذى قطعه الكتاب قبل وصوله إلى المطبعة.

هل تستطيع البرامج معرفة صاحب النص؟

تعمل أدوات كشف الكتابة الآلية من خلال تحليل مجموعة من الأنماط اللغوية والإحصائية، مثل انتظام الجمل وتوقع الكلمات ودرجة التنوع فى المفردات، وطريقة بناء الفقرات. وتصدر الأداة فى النهاية تقديرًا احتماليًا يشير إلى إمكانية ارتباط النص ببرنامج للذكاء الاصطناعى.

وتواجه هذه الأدوات تحديات تتعلق بتطور النماذج اللغوية، وقدرة الكاتب على تحرير النص وإعادة بنائه، إلى جانب التشابه الذى قد يظهر بين الأسلوب البشرى والأسلوب الذى تنتجه البرامج، خاصة فى النصوص المعلوماتية والأكاديمية التى تعتمد لغة منتظمة.

وفى أبريل 2025، أعلنت لجنة التجارة الفيدرالية الأمريكية اتخاذ إجراء ضد شركة «ووركادو» بسبب ترويجها لأداة كشف زعمت أنها تحقق دقة تبلغ 98%، بينما أظهرت اختبارات مستقلة، وفق شكوى اللجنة، أن معدل الدقة فى المحتوى العام بلغ نحو 53%.

وتجعل هذه الوقائع نتيجة برنامج الكشف مؤشرًا يدعو إلى المراجعة وجمع مزيد من المعلومات، فيما تتطلب عملية إثبات التأليف النظر إلى المسودات وسجل التعديلات والمراسلات وطريقة تطور العمل.

أين تنتهى المساعدة وتبدأ الكتابة الآلية؟

يستخدم الكتاب منذ سنوات أدوات رقمية تساعدهم فى التدقيق الإملائى والنحوى، وتنظيم المراجع، والبحث عن المعلومات، وحفظ الملفات واستعادة النسخ السابقة. وأضاف الذكاء الاصطناعى مستويات جديدة من المساعدة، تشمل اقتراح الأفكار، وتلخيص المواد، وبناء الخطط، وإعادة صياغة الجمل، وصولًا إلى إنتاج صفحات وفصول كاملة.

ويظهر الفارق الأساسى فى السؤال المتعلق بمن اختار الكلمات والتراكيب والمشاهد التى تكوّن العمل، عندما يستخدم الكاتب أداة للتدقيق أو البحث، يظل صاحب النص مسؤولًا عن صياغته وبنائه. وعندما تنتج الأداة فقرات أو شخصيات أو حوارات أو مشاهد تدخل مباشرة فى الكتاب، تصبح مساهمتها جزءًا من المادة الإبداعية نفسها.

عقود النشر تدخل عصر الذكاء الاصطناعى

بدأت مؤسسات مهنية فى إدخال بنود تتعلق بالذكاء الاصطناعى ضمن عقود النشر، وقدمت رابطة المؤلفين الأمريكية نماذج لبنود تطلب من الكاتب الإفصاح عن أى نص مولّد آليًا داخل المخطوط، مع تحديد النسبة المقبولة بالاتفاق بين طرفى العقد، إلى جانب حماية الكاتب من إلزامه باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعى فى إنتاج عمله.
وأطلقت الرابطة علامة «مؤلَّف بشريًا»، التى يستطيع الكاتب أو الناشر تسجيل العمل للحصول عليها، بهدف الإشارة إلى أن نص الكتاب كتبه إنسان. وتسمح القواعد باستخدامات محدودة، مثل التدقيق الإملائى والنحوى والبحث والعصف الذهنى، طالما ظل النص نفسه من صياغة بشرية.
وتشير هذه الخطوات إلى احتمال ظهور صفحة جديدة داخل الكتب تحمل بيانًا يوضح طريقة استخدام الذكاء الاصطناعى، تشبه صفحات حقوق النشر والمصادر والشكر، فيعرف القارئ إن كان البرنامج شارك فى البحث أو التدقيق أو الترجمة أو إنتاج أجزاء من النص.

من يملك حقوق الكتاب؟

يرتبط إثبات التأليف أيضًا بحقوق الملكية الفكرية، حيث تقوم الحماية القانونية للعمل على وجود مساهمة إبداعية بشرية يمكن تحديدها.
وأوضح مكتب حقوق الطبع والنشر الأمريكى، فى تقرير أصدره خلال يناير 2025، أن الأعمال التى تستخدم الذكاء الاصطناعى يمكن أن تحصل على الحماية عندما تتضمن مساهمة بشرية تعبيرية كافية، مثل اختيار المواد وترتيبها أو تعديلها بطريقة إبداعية، بينما يظل تقديم الأوامر النصية وحده مختلفًا عن صناعة العناصر التعبيرية التى ينتجها النظام.

ويعنى ذلك أن حجم الدور البشرى يصبح عنصرًا رئيسيًا عند تحديد الأجزاء القابلة للحماية. وقد يضم الكتاب الواحد مادة كتبها المؤلف بنفسه، وأجزاء ساعد البرنامج فى تنظيمها، ومحتوى ولدته الأداة، لتخضع كل فئة لتقييم مختلف بحسب طبيعة مساهمة الإنسان فيها.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة