في إحدى القرى الهادئة التابعة لمركز البلينا جنوب محافظة سوهاج، لا يحتاج الأمر إلى مصنع ضخم أو معدات حديثة حتى تبدأ رحلة الإبداع، فداخل ورشة متواضعة يجلس الشاب حمادة أبو يوسف ممسكا بشرائح بلاستيكية كانت في طريقها إلى القمامة، ليحولها بيديه إلى منتجات منزلية متينة تنافس مثيلاتها في الأسواق، في تجربة تؤكد أن الحرف اليدوية قادرة على خلق فرص عمل حقيقية، وأن إعادة التدوير قد تبدأ بفكرة صغيرة وتنتهي بمشروع واعد يحمل شعار "صنع في مصر".
حمادة، ابن الثلاثين عاما من قرية الحبيل بمركز البلينا، يعمل في الأساس فنيا لتركيب السيراميك، إلا أن فترات الركود في مهنته دفعته للبحث عن مصدر دخل آخر، فوجد ضالته في إعادة تدوير الأربطة البلاستيكية المستخدمة في تغليف السيراميك، ليمنحها حياة جديدة في صورة منتجات يحتاجها كل منزل.
من مخلفات لا قيمة لها إلى منتجات لا يخلو منها أى بيت
يقول حمادة، إن البداية جاءت بعدما لاحظ أن الكثير من ربات المنازل يشترين سلال الغسيل وشنط التسوق والسبت المصنوع من الخوص أو البلاستيك التقليدي، لكنها سريعا ما تتعرض للكسر أو التلف، وفكرت في صناعة منتج يتحمل الاستخدام اليومي، ولا يتأثر بالشمس أو الرطوبة أو درجات الحرارة المختلفة، ويعيش سنوات طويلة، وفي الوقت نفسه يكون سعره مناسبا للجميع."
وبالفعل نجح في تصنيع مجموعة متنوعة من المنتجات، من بينها سبت الغسيل، وسبت البلكونة، والعياشة، وشنط التسوق بأحجام وألوان متعددة، جميعها مصنوعة من شرائح بلاستيكية أعيد تدويرها بدلا من التخلص منها.
إعادة التدوير.. رسالة بيئية قبل أن تكون مشروعا للرزق
لم يكن الهدف بالنسبة لحمادة تحقيق الربح فقط، بل يرى أن مشروعه يحمل رسالة بيئية مهمة تتماشى مع توجه الدولة نحو الاستفادة من المخلفات وتقليل التلوث.
ويؤكد أنه بحكم عمله في تركيب السيراميك كان يشاهد يوميا كميات كبيرة من الشرائح البلاستيكية التي تلقى في القمامة أو تحرق، وهو ما يسبب أضرارا بيئية كبيرة ويقول "كنت أرى هذه المخلفات تتحول إلى مصدر للتلوث، فقررت أن أجعلها مادة خام لمنتج جديد يفيد الناس ويحافظ على البيئة، وبدلا من أن تتحول إلى دخان يلوث الهواء أصبحت مصدر رزق."
منتجات تتحمل المشقة.. ولا تقتصر على الاستخدام المنزلى
ورغم أن منتجاته صممت في البداية لخدمة المنازل، فإنها وجدت طريقها أيضا إلى المزارعين والتجار فالسلال البلاستيكية التي يصنعها تستخدم في جمع الخضراوات والفاكهة ونقل المحاصيل داخل الحقول والأسواق، بفضل قدرتها الكبيرة على تحمل الأوزان ومقاومة الكسر والتلف، وهو ما منحها ميزة تنافسية مقارنة بالمنتجات التقليدية.
8 ساعات عمل لإنتاج قطعة واحدة
وراء كل قطعة ساعات طويلة من العمل اليدوي الدقيق، إذ يوضح حمادة أن صناعة السلة الكبيرة تستغرق نحو 8 ساعات متواصلة، بينما تحتاج المنتجات المتوسطة والصغيرة إلى ما بين ساعتين وأربع ساعات، بحسب الحجم والتصميم ويعتمد الإنتاج بالكامل على الجهد اليدوي، وهو ما يجعل الطاقة الإنتاجية محدودة في ظل عدم توافر عمالة مدربة تساعده في التوسع.
50 قطعة شهريا.. والإنتاج ينفد بالكامل
ينتج حمادة نحو 50 قطعة شهريا من مختلف المنتجات، مؤكدا أن جميعها يتم تسويقها وبيعها، رغم محدودية الإنتاج، وتبدأ أسعار منتجاته من 45 جنيها لسبت البلكونة، وتصل إلى 120 جنيها لسلة الغسيل الكبيرة أو شنطة التسوق، مع وجود أسعار خاصة للبيع بالجملة، وهو ما ساعده على تكوين قاعدة من العملاء داخل وخارج مركز البلينا.
الخطوة المقبلة.. أول سرير مصنوع من شرائح البلاستيك
ولا يتوقف طموح الشاب السوهاجي عند صناعة السلال وشنط التسوق، بل يعمل حاليا على تنفيذ فكرة جديدة تتمثل في تصنيع أول سرير من شرائح البلاستيك المعاد تدويرها، ليكون بديلا عمليا للخشب، إلى جانب إنتاج كراسى للاستخدام المنزلي والمقاهي،و المشروع ما زال في مرحلة التطوير، وأنه يسعى إلى تقديم منتجات عملية تتحمل الاستخدام الشاق، وبأسعار تناسب مختلف الفئات.
حلم المشاركة في معرض الحرف اليدوية
ويختتم حمادة حديثه بالتأكيد على أن أكبر أمنياته هي المشاركة في أحد معارض الحرف اليدوية التي تنظمها الدولة، حتى يتمكن من عرض منتجاته أمام جمهور أكبر، والحصول على فرصة لتطوير مشروعه وزيادة الإنتاج.
ويقول إن الحرف اليدوية والمشروعات الصغيرة قادرة على خلق آلاف فرص العمل إذا وجدت الدعم الكافي، موجها رسالة إلى الشباب بضرورة التفكير في المشروعات الإنتاجية وعدم انتظار الوظيفة التقليدية، فالأفكار البسيطة قد تتحول إلى مشروعات ناجحة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني والحفاظ على البيئة في الوقت نفسه.

اعمل داخل المنزل

حمادة داخل ورشتة

حماده يحول المخلفات إلى تحف

منتج نهائى

منتجات يديوية