تقول الحكمةُ إنَّ الوقت كالسيف، ويُؤكّد الواقع أنه كثيرا ما يكون كالجبل على الصدر، يقتل ضحاياه بالسحق والاستنزاف البطىء، لا بالقطع المُتعجّل كما يشيع بين الناس.
مادة واحدة؛ إنما لها ماهيّتان، متجاورتان حينًا ومُتضادّتان أحيانًا.
ولعلّها نسبية أينشتاين، تُقيّد الزمن فى علاقة عكسية مع السرعة، تتقدم الأخيرة فيتباطأ الأول، والعكس.
وبعض ما فى الفيزياء، قد تُكرّره السياسة والصراعات الدولية.
لا يُمكن أن يكون للأيام وَقعٌ واحد على الولايات المتحدة وإيران، وهما طَرَفَا حربٍ مُتّصلة منذ ستّة أشهر تقريبًا.
وتصح المسألة نفسُها فى مأساة غزة، وما كان منذ الطوفان، وكائنٌ الآن، وتتنازعه إرادة الغريمين، على طَلَل البلاد، وآلام مئات الآلاف من العباد المنكوبين.
وثمّة عنوان آخر تجلّت فيه فوارق الساعات، وأثرُ المواقيت. وأقصد حادث ميناء دمياط، بما أُعلِنَ بشأنه عبر منافذ شتّى، وما يقع للآن فى نطاق الفحص والتدقيق، وتحتكره الدولة وحدها.
وينطلق الاحتكار، المشروع، من ولايتها على فضاء الحدث، ليتّصل بحقّها الأصيل والحصرى فى الاحتفاظ أو التصريح بما يتقاطع مع الأمن القومى، وملفَّاته المُتشابكة.
بُثَّ الخبر أوّلاً عبر وكالة دولية، استنادًا لإفادة من شركة بريطانية للأمن البحرى.
واستبقت منصّات بريئة أو مُغرضة، وقُطعان هوجاء على مواقع التواصل، كلَّ مسارات التثبُّت، وواجبات العودة للأطراف المُباشرين.
وكانت الثغرة الجليّة؛ أن الخبر غير مُسنَد لمصدره، وأحالت المُتابعات إلى عناوين مُجهّلة، ولم يُذكَر أنهم سعوا للحصول على معلومة من مصر، أو تواصلوا ولم يصلوا!
وثبوت الأمر لاحقًا، لا يعفى من المسؤولية، كما لا يسدّ الشقوق المهنيّة فى المُعالجة. وينطبق ذلك على الوكالة والشركة، وكل السائرين فى ركابهما دون استيثاق مُسبَق.
أمّا الدولة فتعاملت بعقلٍ واحترافية: أصدرت وزارة البترول بيانًا عن الحادثة، ولم تقترب من أسبابها محل التحقيق. فأعلنت الماهية واستَبْقَت الكيفية للفحص، ثم تأكدت المعلومة فجرًا، على ما قال رئيس الوزراء، لتُعلَن صباحًا.
وما تزال الجوانب الفنيّة فى عُهدة المُحقِّقين، ما يجعل الجزم بأى استخلاص من قَبيل التجرّؤ، أو التوجيه المقصود. وقد جرى الخرق من صحيفة أجنبية، بتوجيه الاتهام لإيران، ما دفع وزير الإعلام إلى النفى.
وكما لم يكن بيان البترول يتحدث سوى عن حريق؛ فضياء رشوان لم يقصد إلَّا أنّ النتائج لم تخرج بعد، وليس أنه يبرّئ أحدًا، أو يفتح الباب لإدانة سواه.
مصر ليست طرفًا فى صراعات المنطقة، وتلعب دورًا رشيدًا لتهدئة كل الجبهات. ما يجعل الاستهداف رسالةً بين المُتحاربين، أو عملية «عَلَم زائف» غرضها التوريط وتعطيل الوساطات.
سارعت أطراف إقليمية عِدّة لإنكار علاقتها بالجريمة: إيران وإسرائيل والحوثيون. وكلها رسائل تستوجب التوقّف؛ غير أنها لا تعنى البراءة قطعًا.
لا أحد يُحبّ أن يرتبط بالعملية ويتحمّل تداعياتها، أو أن يكون فى خصومة مع عاصمة قوية كالقاهرة. الفاعل لم يضع الانكشاف بين احتمالاته، والدول لها ظاهر وباطن، وبعضها تمتلئ بطنه بصراعات الأجنحة.
ومثالاً؛ فالخارجية الإيرانية تتحدّث عمّا تعرف، غير أن حرس الثورة لا يلتزم إزاء المستوى السياسى، ولا يُخطره أو يُنسّق معه. ولا أقصد الاتهام؛ إنما الفكرة أن بعض الكلام، جيِّده وسيّئه، قد لا يُعَوّل عليه.
إنها بلد يتحرّك بساعتين؛ ولكل جناح ميقاته وأولوياته وأسراره ومصالحه؛ حتى أنهما يأكلان بعضهما فى الداخل، بأكثر مِمّا يقضم منهما عدو الخارج.
وما يُقال فيهم؛ ينطبق على غيرهم بلا استثناء.. الأصابع إلى كل الجهات، والجميع أبرياء ومُتّهمون فى آنٍ، وإلى أن يثبُت احتمال ويُنَحَّى الآخر.
ولمؤسسات مصر وحدها أن تُصرّح بالمتّهم، وبالتفاصيل والخلفيات، أو تُضمرها بحسب ما يتراءى لها.
فقد تعرف ولا تقول؛ لأن الأمن القومى والمصالح العليا تستدعى ذلك، أو أن لديها من الطرق ما تستوفى به حقوقها، بأثرٍ أعلى وتكاليف أقل، وفائدة مُضاعفة زمانا ومكانا، ولمدى أبعد ممّا يراه الناظرون تحت أقدامهم.
إنه الوقت وإدارته، والكفاءة التى يُحقّقها العقل والفلسفة، وفق رؤية واحدة تُحرّك الجسم، وتتوافق عليها وتتكامل تحتها بقيّة الأعضاء.
وتلك الحساسية مُفتقدَة فى فلسطين، وقد تجذّر الانقسام على مدى عقدين؛ حتى صار عنوانًا، وقيدًا إضافيًّا على حركتها المُقيّدة.
لقد تعجّل السنوار فى إطلاق طوفانه قبل نحو ثلاث سنوات، دون جاهزية، أو اعتبارٍ للتداعيات، وبلا برنامج سياسى يُوظّف القوة، ويمتصّ ارتداداتها القاسية.
غير أن سيف الوقت وأثقاله قد تجمّعا على غزة والغزّيين، بالاندفاعة الأولى خارج الوعى والمسؤولية، ثم بإرخاء الحبل على امتداد حربٍ غير مُتكافئة.
وكأن قادة الحركة غير مَعنيِّين بالمذبحة، أو انفصلوا عقلا وعاطفةً عن بيئتهم؛ فكانوا يُديرون معركة مُتوهّمة، غير ما تطحن الأبرياء فعلاً على أرض الواقع.
المهم أنهم سمعوا واقتنعوا أخيرًا، وأن تأتى مُتأخّرًا أفضل من أن تظل ضائعًا فى الوهم. نجت مصر، بمعيّة الوسطاء، فى التوصّل إلى اتفاق بشأن المرحلة الثانية من خطة ترامب، خاصة بند السلاح.
وكان نتنياهو استبق زيارته لواشنطن، بتمرير قرار من حكومته الأمنية بسمح بإدخال قوّة الاستقرار الدولية مع اللجنة الوطنية لإدارة غزة. الترتيبات الأخيرة تُقر بنزع السلاح، وتمنح الصلاحية لحكومة التكنوقراط.
الحماسيّون يُغادرون الوهم، ويُقرّون بالهزيمة التكتيكية؛ قبل أن تتحوّل لخسائر استراتيجية لا يُمكن استدراكها. وبفضل الحاضنة المصرية والإقليمية؛ فإنهم يُجرّدون نتنياهو من الذرائع، ويلقون عبء الانتقال على عاتق تل أبيب.
ستكون الخُطى بطيئة؛ لأن حسابات الانتخابات تتقدّم الآن. قبل أشهر كانت الخُطوة نفسها ستُنتج أثرًا أسرع، وكان الخط الأصفر عند نصف القطاع، لا ثلاثة أرباعه تقريبا كما هو اليوم.. إنه الوقت يا غبى!
أثمن ما أنجزته مصر؛ أنها احتفظت بإيقاعها، بينما تتقلّب الدنيا حواليها، ويتسلّط عليها الجنون والمجانين. لم نتورّط فى صراعٍ مُصطنع، ولا سمحنا بتصفية القضية. أفسدنا التهجير، وأوقفنا الحرب، ولم ننجرّ لمحاولات التوريط جنوبا وشرقا وغربا وشمالا.
لنا سُرعة عاقلة، لا تُبدّل إحساسنا بالوقت، ومعنا ساعة مُنضبطة بالتوقيت المحلى، والحسابات الوطنية وحدها. وعندما يزداد اختلال المنطقة؛ فلن يجد أهلها والوافدون عليها بديلاً إلا أن يضبطوا ساعاتهم على القاهرة.