حددت وزارة الاوقاف موضوع خطبة الجمعة القادمة ، في الخطبة الأولى: التنمر وأثره على شخصية الإنسان،و الخطبة الثانية: السخرية ليست خفة ظل.
التنمر وأثره على شخصية الإنسان
إنَّ المجتمعاتِ لا تُقاس برقيِّ عمرانها ولا بما بلغتْه من مظاهر التقدُّم المادي فحسب، وإنما تُقاس قبل ذلك بما يسودها من قيم الرحمة والاحترام وصيانة الكرامة الإنسانية، وإن من أخطر الآفات التي تهدِّد هذه القيم، وتفتك بالنسيج الاجتماعي، آفة التنمُّر؛ والتي تقوم على ازدراء الآخرين، والحطِّ من قدرهم، وإيذائهم قولًا أو فعلًا أو إشارةً، حتى غَدَت في عصرنا من أكثر السلوكيات انتشارًا في البيئات التربوية والأسرية والعملية، ثم اتسعت رقعتها عبر وسائل التواصل الرقمي، فخلَّفت جراحًا نفسيةً عميقة، وآثارًا اجتماعيةً وأخلاقيةً بالغة الخطورة.
وقد جاءتِ الشريعةُ الإسلامية بمنهج متكامل يجتثُّ جذور هذه الآفة قبل مظاهرها، إذ التنمُّر اعتداء على حقٍّ أصيل من حقوق الإنسان، وإفسادٌ للعلاقات بين الناس، وهو منافٍ لمقاصد الشريعة التي قامت على حفظ الكرامة، وتحقيق الألفة، وإشاعة الرحمة، وبناء مجتمعٍ تسوده المودة والاحترام المتبادل، وإليك بيان ذلك:
مفهوم التنمر
التنمُّر في اللغة: مشتق من النَّمِر؛ وهو الحيوان المعروف بالشدة والجرأة والافتراس، فيقال: تنمَّر فلان إذا تشبَّه بالنمر في غلظته وشدته، وأظهر التكبر والعدوان وسوء المعاملة.
أما في الاصطلاح، فهو: سلوك عدواني من شخص يقصد إلحاق الأذى بالآخرين أو إذلالهم أو الانتقاص منهم، مستغلًا تفوّقًا حقيقيًا أو متوهّمًا في القوة أو المكانة أو النفوذ، ويكون هذا السلوك بالقول أو الفعل أو الإشارة أو الوسائل الإلكترونية.
ولا يقتصر التنمر على الإيذاء الجسدي، بل يشمل كل ما يمس كرامة الإنسان أو يوقعه في الحرج أو الخوف أو العزلة.
وقد جاءت الشريعة الإسلامية بتحريم كل صور الاعتداء على الإنسان، وجعلت حفظ الكرامة الإنسانية أصلًا من أصولها، فقال تعالى: ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِیۤ ءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠]، فكل سلوك يناقض هذا التكريم أو ينتقص من قدر الإنسان فهو مما يرفضه الإسلام وينهى عنه.