"التمكين" مصطلح بسيط لا يحتاج إلى التخمين أو كثرة التأويل، فهو يعني الرسوخ والاستقرار والتعزيز، وكلها مرادفات بسيطة ولا تحتمل التفسيرات التى تحض على الندية وفرض السيطرة كما يزعم البعض.
فللأسف، هناك مَنْ يشيع أن تعبير "تمكين المرأة" له أبعاد قد تنال من هيبة الرجل، وتجتاح سلطته، في حين أن هذا التفسير غير صحيح على الإطلاق، فتمكين المرأة يعني قدرتها على الإلمام بالمهام المُوكولة إليها، وترسيخ إمكاناتها بالشكل الذي يُؤهلها للتعايش في طقس مليء بالاستقرار لخدمة أسرتها ومجتمعها ووطنها، فالمرأة التي تنجح في حماية نفسها وأسرتها لن تكون ندًا للرجل، بل ستكون سندًا وعضدًا، والمُعين الأول له في كل العقبات والعثرات التي قد تُعترضه، فلماذا إذن نُؤول هذا المصطلح ونضعه موضع التخمين، في حين أنه مأخوذ في المقام الأول من الكتاب العزيز في قوله تعالى: (وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ)، و(الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ)، و(إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً). صدق الله العظيم.
وهذا يعني أن التمكين من الهبات التي منحها المولى عز وجل للبشرية على الأرض، وعليه، فهو ليس من صنع الإنسان أو ابتكاره، وإنما هو وسيلة لقدرته على التعايش على الأرض، وشتان ما بين التمكين والتجبر، فالأول يستهدف سلوكيات إيجابية تعود بالنفع على الفرد والمجتمع، فلابد للشخص الذي يتصف بهذه الصفة أن يكون على دراية بواجباته وعلى علم بحقوقه، فـ "المُكنة" هي القدرة والاستطاعة والمكانة، وما العيب أن يتصف كل إنسان كائنًا مَنْ كان رجلاً أو امرأة بهذه الصفة، فهي حق بشري وإنساني وهبة من الله عز وجل لكل الأحياء على وجه البسيطة، فمن حق كل مخلوق أن يتمكن من أدواته، وأن يستعملها بشكل إيجابي وإلا ستكون طاقاتنا مُعطلة وستُهدر بلا أدنى قيمة، بل وسيُحاسبنا عليها العزيز القدير وكما قال الله تعالى في كتابه الحكيم: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ)، أي لابد أن نُظهر أثر نعمه علينا بالقول والعمل، وطالما أن التمكين من نعم الله عز وجل على بني البشر، فما المانع من أن نستعمل هذه النعمة ونوظفها بالشكل الإيجابي الذي يخلق حالة من الترابط الإنساني بين جميع الأجناس.
فأول مَنْ مكن المرأة في الإسلام هو سيدنا محمد (صلى الله عليه وسلم)، حيث إن السيدة (خديجة بنت خُويلد – رضي الله عنها) هي أول إنسان يُؤمن بالرسالة، وينصرها بمالها وجهدها، كما تجسد أيضًا تمكين أم المؤمنين السيدة (عائشة – رضي الله عنها) في كونها كانت مرجعًا أساسيًا لكبار الصحابة في الفتوى ورواية الحديث وعلوم الدين، كما ساهمت في حفظ وتدوين جانب كبير من تفاصيل الحياة النبوية والأحكام الأسرية والتشريعية، كما أن أول امرأة تم تنصيبها في منصب رسمي هي "الشفاء بنت عبد الله العدوية"، حيث ولاها سيدنا (عمر بن الخطاب) مراقبة الأسواق، وفصل المنازعات التجارية، وهي "الحسبة"، وهو من أخطر المناصب في الدولة.
ألم يكن هذا تمكينًا للمرأة؟!، ولكن السؤال الآن، هل هذا التمكين كان له أدنى أثرًا سلبيًا على المجتمع ؟ فلو تفكرنا بشيء من الروية سيتكشف لنا أن الرسول (عليه الصلاة والسلام) والصحابة كان لهم رؤى مستقبلية بالنسبة للمرأة، وكان لديهم قناعة تامة بأن المرأة شريكًا للرجل في كافة المسؤوليات، لذا سعوا لتمكينها، وقد نجحت بالفعل في كل أمر كلفت به.
وفي الحقيقة، لم يكن الرجال في هذا العهد ينظرون للأمر بحساسية ولم يظنوا أن هذا يُشكل حالة ندية أو منافسة لهم، بل أيقنوا أن هذه رسالة إنسانية تتطلب المشاركة التامة من الطرفين، حتى يخرجا بالأسرة والمجتمع إلى بر الأمان.
وأخيرًا، لا مجال لتأويل أو تخمين مصطلح "التمكين" أو محاولة منحه مرادفات بعيدة كل البعد عن كُنْهه الحقيقي، فالتمكين تعبير صحيح وصادق ومُعبر تمامًا عن المعنى والهدف الذي يبتغيه، ولا مجال لحصره في أمور ومعانٍ لا تمت له بصلة، وعلينا أن نضعه في مكانه المناسب وهدفه النبيل، ونسعى لتحقيق أهدافه السامية، حتى نرتقي ونتقدم على مر الزمان والعصور.