أستاذ الاقتصاد البيئى: بعض موجات الحر الحالية كانت ستكون شبه مستحيلة لولا التغير المناخى
متخصص فى القيادة الاستراتيجية: تكلفة الاستعداد أقل كثيرًا من تكلفة المفاجأة.. والجاهزية تصنع الفارق
عضو المجلس المحلى بمدينة فرساى: موجات الحر لم تعد ظاهرة موسمية.. بل أزمة تضرب الصحة والنقل والطاقة والاقتصاد معا
لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد ظاهرة موسمية عابرة أو أيام استثنائية ترتفع فيها درجات الحرارة قبل أن تعود إلى معدلاتها المعتادة، ففي كل صيف تقريبا، تستيقظ مدن القارة العجوز على مشاهد لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة، غابات تلتهمها النيران، ومستشفيات تستقبل آلاف المصابين بالإجهاد الحراري، وقطارات تتوقف بسبب تمدد القضبان، وأنهار تنخفض مناسيبها، فيما تفرض السلطات إجراءات طوارئ لحماية ملايين السكان من حرارة باتت تهدد الحياة والاقتصاد والبنية التحتية في آن واحد.
ورغم أن الاتحاد الأوروبي يُعد من أكثر مناطق العالم استثمارًا في سياسات المناخ والتكيف مع آثاره، فإن موجات الحر المتتالية تطرح سؤالا جوهريا: هل نجحت هذه الخطط في حماية القارة، أم أن تسارع التغير المناخي بات يتجاوز قدرة الحكومات على الاستجابة؟
في هذا التحقيق، نستند إلى البيانات الرسمية والتقارير العلمية والوثائق الأوروبية، إلى جانب آراء الخبراء، لرصد كيف أصبحت أوروبا أسرع قارات العالم احترارا، وما حجم الخسائر التي خلفتها موجات الحر، وما الذي أنجزته الحكومات بالفعل لمواجهة الأزمة، وما الثغرات التي لا تزال تهدد مستقبل القارة في عالم يزداد سخونة عامًا بعد آخر.
أوروبا في قلب الأزمة.. لماذا ترتفع حرارة القارة أسرع من غيرها؟
لسنوات طويلة، ارتبطت أوروبا في أذهان كثيرين بمناخها المعتدل وصيفها القصير، لكن هذا المشهد بدأ يتغير بصورة متسارعة خلال العقود الأخيرة، فما كان يعد موجة حر استثنائية أصبح يتكرر بصورة شبه سنوية، بينما تحولت درجات الحرارة القياسية إلى واقع جديد يفرض نفسه على مدن القارة من جنوبها إلى شمالها.
وتشير الدراسات الصادرة عن المؤسسات الأوروبية والدولية إلى أن أوروبا تعد أسرع قارات العالم ارتفاعًا في درجات الحرارة، إذ ارتفع متوسط درجات الحرارة فيها بوتيرة تتجاوز المتوسط العالمي، نتيجة تفاعل عدة عوامل، أبرزها تغير المناخ الناتج عن انبعاثات الغازات الدفيئة، إلى جانب التغيرات في الغلاف الجوي والبحار، واتساع ظاهرة "الجزر الحرارية" داخل المدن الكبرى بسبب الكثافة العمرانية وتراجع المساحات الخضراء.
ولم تعد آثار هذا الارتفاع تقتصر على تسجيل أرقام قياسية في درجات الحرارة، بل امتدت إلى مختلف القطاعات، بدءا من الصحة العامة، مرورا بالزراعة وإمدادات المياه والطاقة، وصولا إلى شبكات النقل والبنية التحتية، التي أصبحت تواجه ضغوطًا غير مسبوقة مع كل موجة حر جديدة.
وفي الوقت الذي تؤكد فيه الحكومات الأوروبية أن التكيف مع التغير المناخي أصبح أولوية استراتيجية، يرى خبراء أن تسارع الظواهر المناخية المتطرفة يفرض تحديات أكبر من قدرة كثير من المدن على الاستجابة، خاصة مع تزايد أعداد السكان في المناطق الحضرية وارتفاع الطلب على الكهرباء والمياه خلال أشهر الصيف.
ويحاول هذا التحقيق الإجابة عن سؤال محوري: كيف تحولت أوروبا إلى بؤرة لموجات الحر المتطرفة؟ وهل نجحت الخطط الأوروبية في مواكبة هذا التحول، أم أن القارة لا تزال تواجه سباقًا مع الزمن للحد من تداعيات أزمة مناخية تتسارع بوتيرة غير مسبوقة؟
وفيات بالآلاف
بحسب وسائل إعلام بريطانية وفرنسية وألمانية، فإن موجة الحر التي ضربت القارة في أواخر يونيو وبداية يوليو تسببت في وفاة نحو 20 ألف شخص، معظمهم من كبار السن وأصحاب الأمراض المزمنة، لتعيد إلى الأذهان كوارث المناخ التي حصدت عشرات الآلاف من الأرواح في السنوات الأخيرة.
ألمانيا
كما أعلنت السلطات الألمانية أن موجات الحر ارتبطت بأكثر من خمسة آلاف وفاة منذ بداية العام، كما سجلت فرنسا وبلجيكا وإسبانيا وهولندا آلاف الوفيات الزائدة المرتبطة بالحرارة خلال الأسابيع الأخيرة، وسط تأكيد تقارير صحفية أوروبية أن الأعداد الحقيقية قد تكون أعلى بكثير من الأرقام الأولية، خاصة أن كثير من الضحايا لا يُسجل سبب وفاتهم المباشر على أنه الحرارة، رغم أن الظروف المناخية تكون العامل الحاسم في تدهور حالتهم الصحية.
إسبانيا
وذكرت شبكة سي إن إن الأمريكية، أن السلطات الإسبانية أجلت سكانا من منازلهم في 11 يوليو الماضي، وسط مكافحة أعنف حرائق الغابات التي تشهدها منذ أكثر من عشرين عاما، والتي أدت إلى وفاة 12 شخصا على الأقل، بينما لا يزال 23 آخرون في عداد المفقودين، وسط مخاوف من أن تؤدي هبات الرياح القوية إلى انتشار الحريق، الذي التهم ما يقدر بنحو 30 كيلومترا مربعا، حيث يأتي ذلك في الوقت الذي تشهد أوروبا فيه موجة حر قياسية، والتي تسببت في اندلاع حرائق غابات في فرنسا والبرتغال.
حرائق الغابات في إسبانيا
البرتغال
كما شهدت البرتغال مطلع يوليو، حرائق غابات ضخمة اجتاحت أكثر من 11 ألف هكتار من الأراضي، وسط موجة حر شديدة دفعت درجات الحرارة لتتجاوز 44 درجة مئوية في بعض المناطق، وأجبرت الحكومة البرتغالية على تفعيل آلية الحماية المدنية الأوروبية لطلب المساعدة الدولية.
وتسبب الحريق في التهام أكثر من 11 ألف هكتار، مع استمرار عمليات الإخماد التي يشارك فيها أكثر من 1200 رجل إطفاء بدعم من 411 مركبة و6 طائرات، كما امتد الحريق إلى البنية التحتية، حيث تم إغلاق خط السكة الحديدية بين موريسكا دو فوجا وأجيدا، كما أُصيب 9 أشخاص على الأقل، بينهم حالتان خطيرتان، ليعلن معها رئيس الوزراء البرتغالي لويس مونتينيجرو، تفعيل آلية الحماية المدنية الأوروبية، إلى جانب الاتفاقيات الثنائية الموقعة مع إسبانيا والمغرب، مشيرا إلى أن هذه الخطوة جاءت احترازية، بهدف تجنب تحويل موارد الإطفاء بين المناطق، وسط تدهور كبير في مخاطر الحرائق.
فرنسا
وفي 12 يوليو، نقلت وكالة الأنباء الفرنسية، عن سلطات باريس إعلانها حالة التأهب القصوى لدواع مناخية، شملت أكثر من ثلث سكان فرنسا، بسبب موجة الحر الشديدة التي تضرب البلاد وسط مخاوف من اندلاع حرائق غابات بعدة مناطق، حيث بلغ عدد الفرنسيين الذين وضعوا تحت الإنذار الأحمر، وهو أعلى مستوى إنذار تصدره هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، نحو 26 مليون نسمة، وجرى توسيع نطاق هذا الإنذار ليشمل 37 مقاطعة.
وتزايدت حرائق الغابات بشكل ملحوظ خلال الأيام الأخيرة، وسط تأكيد الحكومة الفرنسية، أن معظمها اندلع بسبب نشاط بشري، إلا أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حذر شعبه من أي إهمال قد يفاقم الوضع، فيما التهمت النيران أكثر من 25 ألف هكتار منذ بداية العام الجاري، وهو ما يمثل ضعف المساحة الإجمالية التي أتت عليها النيران خلال الفترة نفسها من عام 2025.
حرائق غابات في فرنسا
كما قدم برج إيفل موعد إغلاقه عدة ساعات، تحسبا لارتفاع درجات الحرارة، وهي خطوة حذا حذوها أشهر متحفين في العاصمة، هما اللوفر وأورسيه، فيما ألغت مدن عديدة في مناطق شتى بفرنسا عروضا للألعاب النارية كانت مقررة لتخليد العيد الوطني للبلاد.
شهادة إنسانية من قلب باريس
في شهادة إنسانية مؤثرة نشرتها صحيفة الجارديان في الأول من يوليو، تروي المواطنة الفرنسية ميجان كليمنت تفاصيل أيام عصيبة عاشتها في باريس خلال موجة الحر غير المسبوقة، وهي في شهرها السابع من الحمل. ومن خلال يومياتها، ترسم صورة مؤلمة لمدينة أنهكتها درجات الحرارة القياسية، ولم يعد سكانها يبحثون عن الراحة، بل عن وسيلة للبقاء وسط طقس بات يهدد الصحة والحياة.
تبدأ كليمنت روايتها بالعودة إلى صيف عام 2019، عندما راودتها فكرة وصفتها آنذاك بـ"الممتعة"، حيث قررت كتابة شهادتها عن أكثر أيام باريس حرارة، متنقلة بين شوارع العاصمة لتجربة وسائل التبريد المختلفة واختبار مدى فعاليتها، لكنها تعترف اليوم بأن التجربة لم تكن ممتعة كما تخيلت، وأن جميع محاولات مقاومة الحرارة انتهت بالفشل، وكأنها كانت إنذارا مبكرا لما ستعيشه المدينة بعد سنوات.
وتؤكد أن ما شهدته باريس هذا العام تجاوز كل ما عرفته سابقا، حتى إنه كان أشد قسوة من موجة عام 2019، بل وتخطى كارثة صيف 2003 التي أودت بحياة نحو 15 ألف شخص في فرنسا، موضحة أنها تقيم حاليا في إقليم سين سان دوني، أحد أكثر المناطق فقرا وارتفاعا في درجات الحرارة، بينما يزيد حملها في الشهر السابع من صعوبة تحمل الظروف المناخية الخانقة.
شهادة المواطنة الفرنسية ميجان كليمنت
وتكشف أن أكثر ما كان يقلقها منذ بداية الحمل هو موعد الولادة، ليس بسبب المخاض، وإنما لأنها ستضع طفلها خلال فصل الصيف، في وقت لا تزال فيه مستشفيات فرنسية عديدة تفتقر إلى أجهزة التكييف أو إلى خطط واضحة للتعامل مع موجات الحر، وكانت تنوي سؤال الأطباء عن إجراءات الطوارئ خلال لقاء تعريفي، إلا أن المفارقة أن الموعد أُلغي بسبب موجة الحر نفسها.
وفي صباح أحد الأيام، توجهت إلى مكتب للرعاية الصحية العامة، حيث كانت الحرارة قد بلغت ثلاثين درجة مئوية في التاسعة والنصف صباحا، وهناك فوجئت بالمراجعين يقفون في طوابير طويلة تحت أشعة الشمس الحارقة، بينما سُمح لها بالدخول مباشرة مراعاة لحملها، وأثناء وجودها في صالة الاستقبال، شاهدت امرأة تنهار بعدما تعرضت لضربة شمس، قبل أن يهرع الموظفون والمراجعون لإحضار المياه وتقديم الإسعافات الأولية، في مشهد تقول إنه اختصر حجم المعاناة التي يعيشها الجميع.
ورغم قسوة الأجواء، لم تغب المواقف الإنسانية، حيث عرضت عليها إحدى صديقاتها، التي كانت مسافرة، استخدام مكتبها المكيف حتى تتمكن من العمل بعيدا عن الحر، وفي مركز قريب لرعاية الأطفال، شاهدت العاملين يغطون النوافذ بمواد عاكسة لأشعة الشمس، بينما يرشون الأطفال بالمياه لتخفيف آثار الحرارة، وفي زاوية أخرى من الحي، رأت رجلا يفترش مكانا مظللا أسفل أحد الأقواس، محاولا النوم خلال أكثر ساعات النهار حرارة، بعدما أصبح الظل هو الملاذ الوحيد للهروب من الشمس.
وتنتقل كليمنت إلى مقر المجلة التي تعمل بها، وهو مصنع قديم تحول إلى مكاتب حديثة تعلو وكالة لعارضات الأزياء. وتصف المفارقة التي عاشتها وهي تتقدم ببطء، بجسد أنهكه الحمل والحر، نحو مدخل يحمل لافتة "طلب عارضات أزياء"، بينما تمر أمامها عارضات يتمتعن بخفة الحركة، في مشهد يعكس التناقض بين عالم الموضة الذي يواصل نشاطه، والواقع الذي تعيشه امرأة تكافح فقط للوصول إلى مكتبها.
وعندما عادت إلى منزلها، لم تجد جهاز التكييف الذي استأجرته، بعدما تأخر تسليمه حتى ما بعد منتصف الليل. وتقول إنها كانت منهكة إلى درجة لم تسمح لها بتركيبه بصورة صحيحة قبل النوم. وحتى بعد تشغيله، لم يكن فعالا، إذ كان فتح النافذة لتصريف الهواء الساخن يسمح بدخول حرارة جديدة تُفقد الجهاز قدرته على التبريد، ولم تبدأ درجة الحرارة داخل المنزل في الانخفاض إلا بعد عودة شريكها من العمل ومساعدته في تركيب الجهاز كما ينبغي.
ومع استمرار موجة الحر، بدأت تشعر بأن جسدها لم يعد قادرا على المقاومة. تقول إنها كانت تستيقظ كل صباح وهي تعاني آلاما في أنحاء جسدها كافة، إضافة إلى تقلصات مؤلمة في ساقيها، في وقت أصبح فيه مجرد النوم أو الحركة تحديًا يوميًا.
وفي محاولة للهروب من الحرارة، كانت تخرج في ساعات بعد الظهر إلى حديقة الحي برفقة كلبها، الذي تصفه مازحة بأنه الأكثر قدرة على تحمل الطقس بينهما، وكانت تحرص على السير في الظل كلما وجدت إليه سبيلا، لكنها لاحظت غياب غرف مكيفة داخل المباني الحكومية في حيها، على عكس أحياء وسط باريس التي خصصت مبانيها البلدية لاستقبال الفئات الأكثر عرضة للخطر، وهو ما يعكس تفاوتًا واضحًا في مستوى الخدمات بين المناطق.
وتشير إلى أنه بحلول نهاية الأسبوع، أعلنت السلطات الصحية تسجيل نحو ألف حالة وفاة في فرنسا خلال ثلاثة أيام، بينما ارتفع عدد الأطفال الرضع الذين فقدوا حياتهم داخل سيارات ساخنة إلى أربعة، كما بلغ عدد ضحايا حوادث الغرق 74 شخصا، لافتة إلى أن هذه الأرقام تؤكد أن موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة مناخية عابرة، بل أزمة إنسانية وصحية تتطلب استعدادا أكبر لحماية الأرواح، خاصة الفئات الأكثر هشاشة، مثل الحوامل والأطفال وكبار السن.
ضحايا موجة الحر في أوروبا
بريطانيا
وكشفت دراسة صادرة عن إمبريال كوليدج لندن، ومكتب الأرصاد الجوية، وكلية لندن للصحة، عن وفاة أكثر من 2700 شخص في المملكة المتحدة نتيجة درجات الحرارة القياسية التي سجلت خلال موجات الحر في شهري مايو ويونيو، مشيرة إلى أن 40% من هذه الوفيات ناجمة عن تغير المناخ، بعدما بلغت درجات الحرارة 35.1 درجة مئوية في غرب لندن في شهر مايو الماضي، وبعد ثلاثة أيام متتالية من درجات حرارة قياسية، تم تسجيل درجات حرارة بلغت 37.7 درجة مئوية في 26 يونيو في لينجوود، نورفولك، وسط إصدار العديد من الإنذارات الصحية الحمراء المتعلقة بالحرارة في جميع أنحاء إنجلترا.
وذكرت صحيفة الجارديان البريطانية، في 1 يوليو، أن درجات الحرارة على سطح المحيط وصلت إلى مستوى قياسي، مما أثار مخاوف من موجة حر شديدة أخرى هذا الصيف، حيث أعلنت خدمة كوبرنيكوس لتغير المناخ أن درجات الحرارة خارج المناطق القطبية تجاوزت في 21 يونيو المستويات المرتفعة غير العادية التي لوحظت في نفس الوقت من عامي 2023 و2024.
تقرير الجارديان حول درجات حرارة مرتفعة بالمحيطات
وحذرت من أن الذروة الجديدة من المحتمل أن تجلب عواقب على أنماط الطقس والمناخ العالمي والنظم البيئية البحرية، لا سيما أنها ستتزامن مع المراحل الأولى لظاهرة النينيو التي توقعوا أن تكون الأقوى منذ عقود.

ضحايا موجة الحر في أوروبا
وذكرت الصحيفة البريطانية، أنه عندما تم تسجيل الرقم القياسي السابق لارتفاع درجة حرارة المحيط في شهر يونيو عام 2023، وصف العلماء هذه الاتجاهات بأنها مقلقة ومرعبة وغير معقولة لأنها كانت بعيدة كل البعد عن توقعاتهم، وصاحب ذلك ظاهرة النينيو وفترة من موجات الحر والفيضانات والعواصف العالمية المدمرة، إلا أنه تم تجاوز الرقم القياسي المسجل عام 2023، حيث يشهد العالم مجددا ارتفاعا مقلقا في درجات الحرارة.
درجات حرارة المحيطات
وفي الشهر الماضي، عانت المملكة المتحدة والعديد من الدول الأوروبية الأخرى من موجة حر شديدة سجلت أرقاما قياسية جديدة، بينما شهدت القارة القطبية الجنوبية ظروفا شتوية دافئة غير مسبوقة، وعلى الرغم من أن التركيز عادة ما يكون على درجات حرارة اليابسة، إلا أن المحيطات تعطي صورة أكثر اكتمالا عن مدى اختلال توازن المناخ بسبب الاحتباس الحراري الناتج عن النشاط البشري.
تمتص المحيطات أكثر من 90% من الطاقة الزائدة في النظام البيئي للأرض، والتي تنتج في المقام الأول عن حرق الوقود الأحفوري، مثل النفط والفحم والغاز، وبلغ هذا الخلل مستوى قياسيا قدره 23 زيتا جول العام الماضي، أي أكثر من ضعف متوسط العقدين السابقين.
أوروبا أصبحت أسرع قارات العالم احترارا
وأكد الدكتور علاء سرحان، أستاذ الاقتصاد البيئي بجامعة عين شمس، أن القارة الأوروبية أصبحت الأسرع احترارا على مستوى العالم، موضحا أن الدراسات العلمية ترصد منذ عقود ارتفاعا في درجات الحرارة يتجاوز بأكثر من الضعف المتوسط العالمي، في مؤشر يعكس تسارع تأثيرات التغير المناخي على القارة.
وأوضح سرحان، في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن أوروبا سجلت منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي ارتفاعا في درجات الحرارة بلغ نحو 0.53 درجة مئوية كل عشر سنوات، بينما ارتفع المعدل في مناطق القطب الشمالي المتصلة جغرافيا بأوروبا إلى نحو 0.69 درجة مئوية كل عقد، وهو ما يفوق بشكل واضح المتوسط العالمي لارتفاع درجات الحرارة.
وأشار إلى أن هذا التسارع لا يرتبط بعامل واحد، وإنما بمجموعة من الأسباب العلمية المتداخلة، يأتي في مقدمتها التغير في أنماط الطقس والدوران الجوي، موضحا أن الدراسات الحديثة تربط بين الظاهرة وبين التغيرات التي طرأت على التيار النفاث ، وهو الحزام الهوائي الذي يتحكم في حركة الكتل الهوائية فوق أوروبا.
وأضاف أن العلماء توصلوا إلى أن التيار النفاث شهد انقساما إلى فرعين، ما أدى إلى تكوين مناطق ذات حركة رياح ضعيفة، الأمر الذي يسمح بحبس الكتل الهوائية الساخنة فوق مناطق واسعة لفترات طويلة، وهو ما يفسر تكرار موجات الحر الشديدة واستمرارها لأيام متتالية خلال فصل الصيف.
ولفت أستاذ الاقتصاد البيئي إلى أن من بين الأسباب التي تبدو غير مألوفة تحسن جودة الهواء في أوروبا، موضحًا أن القيود الصارمة التي فرضها الاتحاد الأوروبي منذ ثمانينيات القرن الماضي على الملوثات الهوائية، خاصة مركبات الإيروسولات والغازات المستخدمة في العديد من المنتجات الصناعية، أسهمت في تقليل الجسيمات التي كانت تعكس جزءًا من أشعة الشمس بعيدًا عن سطح الأرض.
وأوضح أن انخفاض تركيز هذه الملوثات أدى إلى وصول قدر أكبر من الإشعاع الشمسي إلى سطح الأرض، كما ساهم في انخفاض الغطاء السحابي المرتبط بها، وهو ما أدى بصورة غير مباشرة إلى زيادة معدلات الاحترار، رغم أن الهدف الأساسي من تلك الإجراءات كان تحسين جودة الهواء وحماية البيئة.
وأشار سرحان إلى أن تراجع الغطاء الثلجي يمثل عاملا آخر يسرع من ارتفاع درجات الحرارة، موضحا أن الثلوج تمتلك قدرة كبيرة على عكس الإشعاع الشمسي، لكن مع ذوبانها تنكشف أسطح داكنة تمتص الحرارة بدلا من عكسها، وهو ما يؤدي إلى زيادة الاحترار فيما يعرف علميا بظاهرة "التغذية الراجعة المناخية"، التي تجعل ارتفاع الحرارة يؤدي إلى مزيد من ذوبان الجليد، ومن ثم مزيد من ارتفاع الحرارة.
وأكد أن هذه الظاهرة تبدو أكثر وضوحًا في القطب الشمالي، الذي يرتبط مناخيا وجغرافيا بأوروبا، حيث يؤدي تراجع الجليد إلى تسارع معدلات الاحترار في المنطقة بأكملها.
وحول موجات الحر التي تضرب أوروبا خلال الفترة الحالية، شدد الدكتور علاء سرحان على أنها ليست حدثا استثنائيا، وإنما تمثل ما يصفه العلماء بـ"الوضع الطبيعي الجديد"، موضحا أن النماذج المناخية والتقارير العلمية الصادرة منذ سنوات طويلة توقعت تزايد موجات الحر وشدتها وتكرارها مع استمرار تغير المناخ.
وأضاف أن المجتمع العلمي كان يدرك منذ سنوات أن مثل هذه الظواهر ستصبح أكثر تكرارا، والسيناريوهات المناخية المنشورة سابقا حذرت من تحول موجات الحر إلى نمط مناخي متكرر، وليس مجرد أحداث عابرة.
وأوضح أن ما تشهده أوروبا اليوم يمثل إنذارا للعالم بأسره، مشيرا إلى أن التعامل مع التغير المناخي لم يعد خيارًا، بل أصبح ضرورة تفرضها الوقائع العلمية، بما يستوجب تسريع إجراءات التكيف مع الظواهر المناخية المتطرفة، بالتوازي مع مواصلة جهود خفض الانبعاثات والحد من مسببات الاحترار العالمي.
وأكد الدكتور علاء سرحان، موجات الحر التي تشهدها أوروبا لم تعد أحداثا استثنائية أو عابرة، بل أصبحت نمطا مناخيا متكررا تفرضه التغيرات المناخية، لافتا إلى أن جميع المؤشرات والتقارير العلمية تؤكد أن العالم دخل بالفعل مرحلة يطلق عليها العلماء "الوضع الطبيعي الجديد".
وشدد على أن البيانات المناخية الحديثة تكشف عن تصاعد غير مسبوق في درجات الحرارة داخل القارة الأوروبية، مشيرا إلى أن عام 2025 شهد حالة دفء واسعة النطاق غطت ما لا يقل عن 95% من مساحة أوروبا، كما سجلت القارة ثاني أشد موجة حر في تاريخها الحديث.
وأضاف أن دول شمال أوروبا، التي تضم النرويج والسويد وفنلندا، تعرضت خلال يوليو 2025 لأسوأ موجة حر مسجلة في تاريخها، واستمرت لنحو 21 يوما متواصلة، وهو ما يعكس تحولا كبيرا في طبيعة المناخ حتى في المناطق التي كانت تعرف تاريخيا باعتدال درجات الحرارة.
وأشار أستاذ الاقتصاد البيئي إلى أن التقارير العلمية تؤكد كذلك أن آخر أحد عشر عاما كانت الأكثر حرارة منذ بدء تسجيل درجات الحرارة عالميا، وهو ما يعكس اتجاها تصاعديا واضحا ومستمرا، وليس مجرد تقلبات مناخية مؤقتة.
وقال إن المجتمع العلمي لم يعد ينظر إلى موجات الحر باعتبارها ظواهر استثنائية، وإنما باعتبارها جزءا من واقع مناخي جديد سيستمر خلال العقود المقبلة، ما لم تنجح الدول في خفض انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري.
وأوضح سرحان أن أحد أهم المفاهيم العلمية في دراسة التغير المناخي هو التمييز بين الارتباط الإحصائي والعلاقة السببية، مشيرا إلى أنه في الماضي كان العلماء يتحدثون عن وجود ارتباط بين ارتفاع تركيز غازات الاحتباس الحراري وارتفاع درجات الحرارة، دون الجزم بأن أحدهما هو السبب المباشر للآخر.
وأضاف أن هذا الوضع تغير مع تراكم الأدلة العلمية، حيث أصبحت العلاقة بين النشاط البشري والتغير المناخي علاقة سببية موثقة بدرجة عالية للغاية من اليقين، وليس مجرد تزامن أو ارتباط إحصائي، مؤكدا أن هذا الاستنتاج يستند إلى تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ، وهي المرجعية العلمية العالمية المعتمدة في هذا المجال، والتي تضم خبراء من الدول الأطراف في الاتفاقية الإطارية للأمم المتحدة بشأن تغير المناخ، وتستند تقاريرها إلى مراجعة آلاف الدراسات والأبحاث العلمية المنشورة.
وأوضح أن تقارير الهيئة خلصت إلى وجود يقين علمي مرتفع بأن موجات الحر أصبحت أكثر تكرارا وأكثر شدة في معظم مناطق اليابسة منذ خمسينيات القرن الماضي، والعامل الرئيسي وراء هذا التحول هو التغير المناخي الناتج عن الأنشطة البشرية، وفي مقدمتها الانبعاثات الناتجة عن حرق الوقود الأحفوري، مثل الفحم والبترول والغاز الطبيعي.
وقال إن انبعاثات غازات الاحتباس الحراري أدت إلى زيادة احتجاز الحرارة داخل الغلاف الجوي، الأمر الذي تسبب في رفع متوسط درجات الحرارة العالمية، بينما ساهمت عوامل أخرى، مثل الخصائص الجغرافية، وتغير أنماط الغلاف الجوي، وتحسن جودة الهواء في بعض المناطق، في تضخيم آثار الاحترار داخل أوروبا.
وأشار سرحان إلى أن عددًا من الدراسات الحديثة يذهب إلى أن بعض موجات الحر القياسية التي شهدتها أوروبا خلال السنوات الأخيرة كانت ستكون شبه مستحيلة الحدوث في غياب التأثير البشري على المناخ، وهو ما يعكس حجم التغير الذي طرأ على النظام المناخي العالمي.
وأضاف أن مواجهة هذه الظواهر لم تعد تقتصر على إجراءات التكيف مع موجات الحر، وإنما تتطلب تسريع الجهود الدولية لخفض الانبعاثات الكربونية، والتحول إلى مصادر الطاقة النظيفة، باعتبارها السبيل الأكثر فاعلية للحد من تفاقم آثار التغير المناخي خلال العقود المقبلة.
وأكد علاء سرحان، أن تأثير التغيرات المناخية لا يتوزع بصورة متساوية داخل القارة الأوروبية، موضحا أن بعض الدول تشهد معدلات احترار أعلى من غيرها نتيجة مجموعة من العوامل الجغرافية والمناخية المعقدة، وليس بسبب عامل واحد فقط.
وقال إن تفسير هذا التفاوت يتطلب النظر إلى عدة عناصر، من بينها الموقع الجغرافي، وطبيعة التضاريس، وأنماط الطقس، وتأثير التيارات الهوائية والبحرية، وهي عوامل تختلف من دولة إلى أخرى داخل أوروبا، لافتا إلى أن البيانات المناخية تشير إلى أن شرق وجنوب شرق أوروبا، إلى جانب أجزاء من وسط القارة، بما في ذلك منطقة جبال الألب، شهدت خلال العقود الثلاثة الأخيرة معدلات احترار تراوحت بين نصف درجة ودرجة مئوية كاملة كل عشر سنوات، وهي معدلات تعد مرتفعة مقارنة بمناطق أخرى داخل القارة.
وفي المقابل، أشار إلى أن غرب وجنوب غرب أوروبا، وكذلك بعض دول شمال أوروبا، سجلت معدلات احترار أقل نسبيا تراوحت بين 0.2 و0.5 درجة مئوية لكل عقد، وهو ما يعكس وجود تباينات مناخية واضحة حتى داخل القارة الواحدة.
وأضاف أن هذه الفروق تظهر بصورة أكبر في بعض الدول، مثل آيسلندا، التي تشهد اختلافا مناخيا بين شرقها وغربها، حيث ترتفع درجات الحرارة في المناطق الشرقية بوتيرة أكبر، بينما تتعرض أجزاء من الغرب لتبريد طفيف، نتيجة تأثرها بما يعرف علميًا بـ"الفقاعة الباردة" في شمال المحيط الأطلسي، وهي منطقة بحرية ذات مياه أبرد من المعتاد تؤثر في درجات حرارة المناطق المجاورة.
وأشار أستاذ الاقتصاد البيئي إلى أن اختلاف الفصول يمثل أحد العوامل المهمة في تفسير تفاوت الاحترار، موضحا أن فصل الشتاء يشهد ارتفاعا أسرع في درجات الحرارة داخل معظم مناطق وسط وشرق أوروبا، في حين تتعرض مناطق غرب أوروبا لمعدلات احترار أكبر خلال فصل الصيف، وهو ما يعكس اختلاف استجابة الأقاليم الأوروبية للتغيرات المناخية.
وأوضح أن القرب من القطب الشمالي يزيد من معدلات الاحترار، حيث يؤدي ذوبان الجليد إلى انكشاف أسطح داكنة تمتص قدرا أكبر من الإشعاع الشمسي بدلا من عكسه، وهو ما يسرع عملية الاحترار، لذلك تتأثر الدول الإسكندنافية والمناطق القريبة من الدائرة القطبية بهذه الظاهرة بصورة أكبر.
وأضاف أن القرب من شمال أفريقيا والصحراء الكبرى يمثل عاملا آخر يفسر تعرض بعض الدول الأوروبية لموجات حر أشد، لافتا إلى أن دولا مثل إسبانيا وفرنسا وإيطاليا تتأثر بكتل هوائية شديدة السخونة قادمة من شمال أفريقيا، والتي قد تُحتجز تحت أنظمة الضغط الجوي المرتفع فيما يعرف بـ"القباب الحرارية"، وهي ظاهرة تؤدي إلى احتجاز الهواء الساخن فوق مناطق واسعة لعدة أيام، بما يرفع درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.
وأكد سرحان أن التضاريس تلعب دورا لا يقل أهمية، إذ إن المناطق الجبلية، مثل جبال الألب، أصبحت أكثر عرضة للاحترار مع تراجع الغطاء الثلجي، وهو ما يقلل من قدرة تلك المناطق على عكس أشعة الشمس، ويؤدي إلى زيادة امتصاص الحرارة وارتفاع درجات الحرارة بوتيرة أسرع.
وأشار إلى أن التيارات البحرية المحيطة بالقارة الأوروبية تؤثر أيضا في توزيع الحرارة، حيث تختلف طبيعة تأثيرها من منطقة إلى أخرى، إلى جانب دور التيار النفاث، الذي سبق أن ربطت دراسات علمية بين تغير أنماطه وتزايد موجات الحر في أجزاء واسعة من أوروبا.
ولفت إلى أن تفاوت تأثير موجات الحر داخل أوروبا هو نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل الطبيعية والمناخية، تشمل الموقع الجغرافي، والقرب من القطب الشمالي أو الصحراء الكبرى، وطبيعة التضاريس، والغطاء الثلجي، والتيارات البحرية والهوائية، وهو ما يجعل كل دولة تواجه التغير المناخي بدرجة مختلفة، رغم أنها جميعا تتأثر بالاتجاه العام المتمثل في ارتفاع درجات الحرارة عالميا.
وحذر من أن استمرار انبعاثات غازات الاحتباس الحراري بالمعدلات الحالية سيؤدي إلى تصاعد آثار التغير المناخي خلال السنوات والعقود المقبلة، مؤكدا أن السيناريوهات العلمية الصادرة عن المؤسسات الدولية تشير إلى أن موجات الحر الشديدة والجفاف وحرائق الغابات وارتفاع مستوى سطح البحر ستصبح أكثر تكرارا وحدة، خاصة في القارة الأوروبية.
وقال إن التوقعات المناخية على المستوى العالمي تشير إلى أن متوسط درجة حرارة الأرض يقترب من تجاوز حاجز 1.5 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية، وهو الحد الذي سعت الدول إلى عدم تجاوزه وفق اتفاق باريس للمناخ، الذي وضع هدفا طويل الأجل يتمثل في حصر الاحترار العالمي عند أقل من درجتين مئويتين، مع بذل الجهود للإبقاء عليه عند 1.5 درجة مئوية.
وأوضح أن أوروبا تجاوزت بالفعل المتوسط العالمي في معدلات الاحترار، حيث ارتفعت درجات الحرارة فيها بنحو 2.5 درجة مئوية منذ الثورة الصناعية، وهو ما يجعلها من أكثر مناطق العالم تأثرًا بالتغيرات المناخية.
وأشار أستاذ الاقتصاد البيئي إلى أن تقارير الهيئة الحكومية الدولية المعنية بتغير المناخ (IPCC) تتوقع استمرار زيادة تكرار وشدة موجات الحر، بما في ذلك موجات الحر البحرية، حتى مع اختلاف سيناريوهات الانبعاثات، لافتا إلى أن ارتفاع درجات الحرارة سيؤدي أيضا إلى تزامن عدد أكبر من الظواهر المناخية المتطرفة في الوقت نفسه، بما يزيد من صعوبة التعامل معها.
وأضاف أن ذوبان الجليد في القطب الشمالي سيظل أحد العوامل الرئيسية التي تسرع من وتيرة الاحترار في أوروبا، موضحًا أن انحسار الغطاء الجليدي يكشف عن أسطح داكنة تمتص الإشعاع الشمسي بدلًا من عكسه، وهو ما يؤدي إلى زيادة درجات الحرارة فيما يعرف بظاهرة "التغذية الراجعة المناخية".
وأكد سرحان أن استمرار الانبعاثات الحالية يعني أن أوروبا ستواجه مستقبلًا أكثر صعوبة، مع ازدياد موجات الجفاف، وحرائق الغابات، وارتفاع مستوى سطح البحر، إلى جانب تراجع الإنتاج الزراعي، وتأثر الموارد المائية، وتزايد الضغوط على القطاعات الاقتصادية المختلفة.
وأوضح أن ارتفاع درجات الحرارة ستكون له تداعيات مباشرة على سوق العمل، حيث تشير دراسات علمية إلى أن زيادة الحرارة فوق مستويات معينة تؤدي إلى انخفاض إنتاجية العمال، وارتفاع معدلات الغياب عن العمل، خاصة في القطاعات التي تعتمد على العمل في الهواء الطلق، مثل الزراعة والإنشاءات.
وأضاف أن القطاع الزراعي سيكون من أكثر القطاعات تأثرا، نتيجة تراجع إنتاجية المحاصيل وارتفاع معدلات تلفها، بينما ستشهد السياحة تغيرات ملحوظة في أنماطها، مع انتقال جزء من الحركة السياحية نحو مناطق شمال أوروبا ذات المناخ الأكثر اعتدالا خلال فصل الصيف.
فاتورة الحر.. كيف دفعت أوروبا ثمنا باهظا لموجات الحرارة؟
لم تعد موجات الحر في أوروبا مجرد تحد مناخي، بل تحولت إلى أزمة متعددة الأبعاد، تترك آثارها على الأرواح والاقتصاد والبنية التحتية والموارد الطبيعية. ومع كل صيف جديد، ترتفع فاتورة الخسائر، لتؤكد أن التغير المناخي لم يعد خطرا مستقبليا، وإنما واقعا يفرض تكاليف باهظة على الحكومات والمجتمعات.
وتكشف البيانات الصادرة عن المؤسسات الأوروبية والدولية أن موجات الحر أصبحت من أكثر الكوارث الطبيعية تسببا في الوفيات داخل القارة، خاصة بين كبار السن، ومرضى القلب والجهاز التنفسي، والعاملين في الأماكن المكشوفة، كما تؤدي درجات الحرارة المرتفعة إلى زيادة الضغط على المستشفيات وخدمات الإسعاف، وارتفاع استهلاك الكهرباء مع الاستخدام المكثف لأنظمة التبريد.
ولا تقتصر الخسائر على الجانب الصحي، إذ تمتد إلى قطاعات حيوية أخرى، فالحرائق التي تندلع في الغابات تلتهم آلاف الهكتارات سنويا، وتكبد الدول خسائر بيئية واقتصادية كبيرة، بينما تتعرض المحاصيل الزراعية للإجهاد المائي وانخفاض الإنتاجية، في وقت تتراجع فيه مناسيب الأنهار، بما يؤثر على الملاحة النهرية وإمدادات المياه وتوليد الطاقة الكهرومائية.
كما تواجه شبكات النقل تحديات متزايدة، مع تمدد قضبان السكك الحديدية وتشوه بعض الطرق وتأثر المطارات وشبكات الكهرباء بارتفاع درجات الحرارة، ما يؤدي إلى تعطيل الخدمات وزيادة تكاليف الصيانة والإصلاح.
ورغم اختلاف حجم التأثير من دولة إلى أخرى، فإن القاسم المشترك يتمثل في أن موجات الحر لم تعد أحداثًا استثنائية يمكن احتواؤها بإجراءات مؤقتة، بل أصبحت اختبارا سنويا لقدرة الحكومات الأوروبية على حماية السكان والحفاظ على استمرارية الخدمات الأساسية، في ظل توقعات علمية تشير إلى أن هذه الظواهر ستصبح أكثر تكرارا وشدة خلال العقود المقبلة
إسبانيا
في إسبانيا سجلت السلطات الصحية أكثر من 1028 وفاة مرتبطة بارتفاع درجات الحرارة خلال شهر يونيو فقط، وهو رقم يفوق بكثير ما تم تسجيله في العام السابق. وتشير البيانات إلى أن إجمالي الوفيات المرتبطة بموجات الحر في السنوات الأخيرة في تصاعد مستمر، ما يعكس خطورة الظاهرة واتساع نطاق تأثيرها على الصحة العامة، خاصة بين كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة والأطفال.
تشير تقارير علمية إلى أن هذه الموجة أدت إلى وفاة أكثر من 2500 شخص في عدة دول أوروبية، مع توقعات بارتفاع الأرقام مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة، وسجلت فرنسا وحدها أكثر من 1200 وفاة إضافية خلال الأيام الأكثر حرارة، فيما واصلت إسبانيا تسجيل أرقام مقلقة.
وأعلنت السلطات اليونانية العثور على جثة طفل محترقة داخل منزل مدمر فى قرية ليتى ، ليرتفع عدد ضحايا حرائق الغابات فى اليونان إلى قتيلين ، بعد أن كان التقرير الأولي قد تحدث عن وفاة رجل ستيني وإصابة امرأة بحروق.
ويأتي هذا الحريق في ظل موجة حر غير مسبوقة تجتاح اليونان، حيث تصل درجات الحرارة إلى متوسط 32.6 درجة مئوية، وهي أعلى قليلا من المعدلات الطبيعية لهذا الموسم، مع توقعات باستمرار الرياح العاتية وارتفاع الحرارة إلى 38 درجة في الأيام المقبلة، مما يثير مخاوف من تجدد الحرائق واندلاع أخرى جديدة، خاصة مع جفاف الغطاء النباتي الذي يتحول إلى وقود سريع الاشتعال.
خسائر اقتصادية
وكشف مرصد كوبرنيكوس للمناخ التابع للاتحاد الأوروبي أن يونيو الماضي كان أكثر أشهر السنة حرارة على الإطلاق في تاريخ أوروبا الغربية، في وقت تجتاح فيه القارة موجة حر جديدة، وأعلنت ألمانيا في 13 يوليو وفاة 99 شخصا غرقا خلال يونيو الماضي، في أعلى حصيلة شهرية تسجل منذ موجة الحر الشديد التي اجتاحت أوروبا عام 2003.
وأعلنت فرنسا، الخسائر الاقتصادية المباشرة وغير المباشرة تجاوزت مليار يورو، نتيجة الحرائق وتعطل بعض الأنشطة الاقتصادية وتراجع الإنتاجية وارتفاع الإنفاق المرتبط بالطوارئ الصحية، فيما كشفت إسبانيا تسجيل 1029 وفاة مرتبطة بالحرارة خلال يونيو، وهو من أعلى الأرقام المسجلة في البلاد خلال السنوات الأخيرة، فيما تأثرت قطاعات الزراعة والطاقة والسياحة بصورة ملحوظة، وسط تقديرات اقتصادية أولية تضع حجم الخسائر بين مليار وثلاثة مليارات يورو، في ظل تراجع الإنتاج الزراعي وارتفاع استهلاك الكهرباء والمياه.
وأعلنت السلطات الإيطالية، أن الخسائر الاقتصادية قد تتراوح بين مليار وملياري يورو، في ظل استمرار تقييم الأضرار التي لحقت بالزراعة والإنتاجية والطاقة، وسط تحذيرات من أن الحرارة الشديدة قد تهدد ما يصل إلى 1.5 مليون عامل إيطالي يعملون في قطاعات مكشوفة مثل البناء والزراعة والخدمات اللوجستية.
وحذرت السلطات الألمانية، من أن ارتفاع درجات الحرارة أصبح يمثل تحديا متزايدا للنمو الاقتصادي الأوروبي، حيث إن أيام الحر الشديد قد تكلف الاقتصاد نحو 430 مليون يورو يوميا نتيجة تراجع الإنتاجية وتعطل بعض الأنشطة، وهو ما يعكس حجم التأثير الذي يمكن أن تتركه الظواهر المناخية المتطرفة على اقتصادات القارة.
أوروبا تتكبد خسائر كبيرة
وأكد الدكتور عبدالله أبو سمرة، الأكاديمي والمتخصص في القيادة الأخلاقية والاستشراف الاستراتيجي، أن موجات الحر التي تضرب أوروبا لم تعد مجرد ظاهرة مناخية موسمية، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لقدرة الحكومات والمؤسسات على القيادة الرشيدة، والتخطيط الاستراتيجي، وإدارة الأزمات في ظل التغيرات المناخية المتسارعة.
وأشار أبو سمرة في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، إلى أن ما كان يُنظر إليه قبل سنوات بوصفه حدثا استثنائيا أصبح اليوم تحديا اقتصاديا واستراتيجيا يفرض نفسه بقوة على أجندات صناع القرار، موضحًا أن بيانات الوكالة الأوروبية للبيئة تكشف حجم هذا التحول، حيث تجاوزت الخسائر الاقتصادية الناجمة عن الظواهر المناخية المتطرفة داخل الاتحاد الأوروبي 822 مليار يورو خلال الفترة الممتدة من عام 1980 حتى عام 2024، فيما سجلت السنوات الأربع الأخيرة وحدها خسائر تجاوزت 208 مليارات يورو، وهو ما يعكس تسارع وتيرة المخاطر المناخية وتضاعف آثارها الاقتصادية.
وأضاف أن تداعيات موجات الحر لم تقتصر على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى خسائر بشرية جسيمة، حيث شهد صيف عام 2022 أكثر من 60 ألف حالة وفاة ارتبطت بارتفاع درجات الحرارة، في وقت تؤكد فيه الدراسات العلمية أن موجات الحر أصبحت أكثر شدة وتكرارا نتيجة التغير المناخي.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أوضح أبو سمرة أن أوروبا تكبدت خسائر كبيرة بسبب تراجع إنتاجية العمال، وتعطل بعض شبكات النقل، وارتفاع الطلب على الكهرباء، وانخفاض كفاءة عدد من محطات الطاقة النووية نتيجة ارتفاع حرارة المياه المستخدمة في عمليات التبريد، إلى جانب الأضرار التي لحقت بالقطاعين الزراعي والسياحي، الأمر الذي ينعكس سلبا على معدلات النمو الاقتصادي في القارة.
حجم الخسائر الاقتصادية في أوروبا بسبب موجات الحر
وقال إن الأزمة كشفت بوضوح أن الفارق الحقيقي بين النجاح والإخفاق لا يكمن في وقوع الكارثة، وإنما في مستوى الجاهزية للتعامل معها، موضحا أن القيادة الاستراتيجية لا تنتظر وقوع الأزمات، بل تعمل على استشرافها مسبقا، وبناء سيناريوهات متعددة، والاستثمار في بنية تحتية قادرة على الصمود، إلى جانب إعادة تصميم المدن وأنظمة الطاقة والنقل بما يتوافق مع المخاطر المستقبلية.
وأشار إلى أن التجربة الأوروبية أثبتت أن امتلاك الإمكانات الاقتصادية وحده لا يكفي، إذا غابت سرعة اتخاذ القرار أو تأخر الاستثمار في سياسات التكيف مع التغيرات المناخية، مؤكدا أن الاستجابة المبكرة أصبحت عنصرًا حاسما في الحد من الخسائر وتعزيز القدرة على الصمود.
ومن منظور القيادة التسويقية، أكد أبو سمرة أن موجات الحر فرضت واقعا جديدا على الأسواق وسلوك المستهلكين، حيث نجحت الشركات الأكثر مرونة في استثمار المتغيرات من خلال تطوير منتجات أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة، وتعزيز خدمات التوصيل، وإعادة تنظيم ساعات العمل، وإطلاق حملات توعوية تتماشى مع احتياجات العملاء في ظل الظروف المناخية الجديدة، وفي المقابل، خسرت المؤسسات التي تعاملت مع الأزمة باعتبارها ظرفا مؤقتا جزءا من حصتها السوقية لصالح منافسين أكثر قدرة على التكيف.
وأوضح أن التجربة الأوروبية تقدم درسا استراتيجيا بالغ الأهمية، مفاده أن تكلفة الاستعداد أقل بكثير من تكلفة المفاجأة، وأن القيادة الحديثة لم تعد تُقاس فقط بقدرتها على تحقيق الأرباح، بل بقدرتها على حماية الإنسان، وضمان استدامة الأعمال، وإدارة المخاطر قبل وقوعها، مشددا على أن القائد الحقيقي هو من يحول الأزمات إلى فرص، ويجعل من التخطيط الاستراتيجي والتسويق الذكي خط الدفاع الأول في مواجهة تحديات المستقبل.
أنهار أوروبا تتأثر بالموجة الحارة
أزمة الموجة الحارة أثرت على الأنهار في القارة العجوز، خاصة بعدما حذرت هيئة حوض نهر بو في إيطاليا من أن الوضع بالغ الخطورة، مشرة إلى انخفاض تدفق النهر في الأول من يوليو إلى 278 مترا مكعبا في الثانية، مقارنة بمتوسط بلغ 929 مترا في نفس الفترة بين 1991 و2020 .
وأوضحت أن تراجع منسوب المياه تسبب في تسرب مياه البحر الأدرياتيكي إلى مجرى النهر لمسافة 25 كيلومترا، مما أدى إلى تملح المياه ومنع ري الأراضي الزراعية في دلتا بو، ودفع منطقة فينيتو شمال شرق إيطاليا لإعلان حالة الطوارئ بسبب الجفاف.
وكذلك سجلت بحيرة ماجوري، الواقعة عند سفح جبال الألب الإيطالية، انخفاض ملحوظ في منسوبها بمعدل 4 سنتيمترات يوميا، ووصلت نسبة امتلائها إلى 48% فقط، فيما انخفضت مياه بحيرتي كومو وماجوري بنسبة 15% و17% على التوالي خلال أسبوع واحد .
كما أعلنت إسبانيا أن نهر لاجاريس في جاليسيا سجل أدنى منسوب مياه في تاريخه، خاصة في قسمه النهائي، وسط تحذيرات لمرصد الجفاف الأوروبي من أن أجزاء كبيرة من شرق أوروبا، بما في ذلك ألمانيا وبولندا والمجر ومنطقة البلطيق، تخضع لتحذيرات جفاف، مع انخفاض تدفق الأنهار في أحواض الراين والدانوب وفيستولا ودنيبر.
موجات الحر لم تعد ظاهرة موسمية
وأكدت الدكتورة جيهان جادو، مسؤول المراسم بوزارة الثقافة الفرنسية وعضو المجلس المحلي بمدينة فرساي، أن فرنسا شهدت خلال الفترة الماضية واحدة من أشد موجات الحر في السنوات الأخيرة، في ظل تصاعد التأثيرات المرتبطة بالتغيرات المناخية، مشيرة إلى أن ما عاشته البلاد لم يكن مجرد ارتفاع مؤقت في درجات الحرارة، بل أزمة واسعة انعكست على مختلف القطاعات الحيوية.
وأضافت في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن درجات الحرارة تجاوزت في بعض المناطق حاجز 40 درجة مئوية، وهو ما دفع السلطات الفرنسية إلى تفعيل خطط الطوارئ وإطلاق تحذيرات واسعة للسكان، مع اتخاذ إجراءات استثنائية للحد من تداعيات الموجة الحارة وحماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
وأوضحت أن آثار موجة الحر لم تقتصر على الشعور بارتفاع درجات الحرارة، وإنما امتدت إلى المنظومة الصحية بشكل مباشر، حيث شهدت المستشفيات ارتفاعا ملحوظا في أعداد المترددين على أقسام الطوارئ نتيجة حالات الإجهاد الحراري والجفاف، فيما كان كبار السن ومرضى الأمراض المزمنة الأكثر تأثرا، وهو ما انعكس في تسجيل وفيات زائدة خلال فترة الموجة.
وأضافت أن الضغط الكبير على المنظومة الصحية دفع السلطات إلى الاستعانة بأعداد إضافية من الأطباء والكوادر الطبية لضمان استمرار تقديم الخدمات الصحية والتعامل مع الأعداد المتزايدة من الحالات، مؤكدة أن هذه التطورات كشفت حجم التحديات التي تفرضها الظواهر المناخية المتطرفة على الأنظمة الصحية.
وأشارت عضو المجلس المحلي بمدينة فرساي إلى أن تداعيات موجة الحر امتدت أيضا إلى قطاعات النقل والتعليم والطاقة، إلى جانب ارتفاع مخاطر اندلاع حرائق الغابات، خاصة في المناطق الجنوبية من فرنسا، وهو ما استدعى رفع درجة الاستعداد لدى فرق الإطفاء والحماية المدنية لمواجهة الحرائق والحد من انتشارها.
وأكدت أن قطاع النقل كان من أكثر القطاعات تضررا، حيث تعرضت حركة المواصلات لاضطرابات كبيرة، وألغيت العديد من الرحلات، الأمر الذي تسبب في تكدس أعداد كبيرة من الركاب داخل محطات القطارات، خاصة مع تعطل بعض أنظمة التبريد داخل العربات، وهو ما أدى إلى تعرض عدد من الركاب لحالات اختناق وإجهاد حراري نتيجة الارتفاع الشديد في درجات الحرارة.
وأضافت جادو أن موجات الحر لم تعد أحداثا استثنائية أو موسمية كما كان الحال في السابق، بل أصبحت أكثر تكرارا وأكثر شدة بفعل التغيرات المناخية، الأمر الذي يفرض على فرنسا والدول الأوروبية إعادة النظر في سياسات التكيف مع المناخ، من خلال تطوير أنظمة الإنذار المبكر، وتعزيز المساحات الخضراء داخل المدن، وتحسين جاهزية المستشفيات والقطاع الصحي للتعامل مع موجات الحر المتزايدة.
وشددت على أن التجربة التي مرت بها فرنسا تؤكد أن إدارة موجات الحر أصبحت جزءا أساسيا من سياسات الأمن الصحي والبيئي، ولم تعد مجرد إجراءات موسمية مرتبطة بفصل الصيف، خاصة في ظل التوقعات العلمية التي تشير إلى استمرار تزايد الظواهر المناخية القاسية خلال السنوات المقبلة.
وأوضحت أن الأزمة لم تقتصر على الخسائر الصحية والبيئية فقط، بل خلفت أيضا خسائر اقتصادية كبيرة، نتيجة اضطرار العديد من المؤسسات والقطاعات إلى تقليص أنشطتها أو إغلاقها مؤقتا، بالإضافة إلى لجوء عدد كبير من جهات العمل إلى تطبيق نظام العمل من المنزل حفاظا على سلامة الموظفين، وهو ما يعكس حجم التأثير الاقتصادي الذي باتت تفرضه التغيرات المناخية على الاقتصادات الأوروبية.
موجات الحر تحولت الى أزمة ممتدة تحصد الأرواح
وتكشف الوقائع التي رصدها هذا التحقيق أن موجات الحر لم تعد مجرد ظاهرة مناخية عابرة تضرب أوروبا في فصل الصيف، بل تحولت إلى أزمة ممتدة تحصد الأرواح، وتلتهم الغابات، وتعطل قطاعات النقل والطاقة، وتفرض فاتورة اقتصادية تتصاعد عامًا بعد آخر، وبين أرقام الوفيات، وشهادات السكان، وتحذيرات الخبراء، تبدو القارة العجوز أمام واقع مناخي جديد لم تعد فيه درجات الحرارة القياسية استثناءً، وإنما أصبحت جزءا من المشهد السنوي.
ورغم أن أوروبا تعد من أكثر مناطق العالم استثمارا في سياسات المناخ، فإن تكرار هذه الخسائر يطرح تساؤلات لا تقل أهمية عن حجم الكارثة نفسها، أين ذهبت مليارات اليوروهات التي أُنفقت على مواجهة التغير المناخي؟ وهل نجحت خطط التكيف الأوروبية في حماية البشر والبنية التحتية، أم أن وتيرة الاحترار أصبحت أسرع من قدرة الحكومات على المواجهة؟
في الحلقة الثانية، يواصل التحقيق تتبع خريطة المواجهة، ويكشف كيف تستعد أوروبا لعصر "الحر القاتل"، وحجم الاستثمارات المخصصة للتكيف مع التغير المناخي، وما إذا كانت هذه الخطط قادرة على تقليل الخسائر، أم أن القارة لا تزال تخوض سباقا مع الزمن في مواجهة واقع يزداد سخونة عامًا بعد آخر.
الدكتور جيهان جادو

الدكتور عبد الله أبو سمرة

تأثير ارتفاع الحرارة على أوروبا