منذ أن رفعت جماعة الإخوان الارهابية شعار نصرة فلسطين، لم تقتصر علاقتها بالقضية على الخطاب السياسي أو التعبئة الجماهيرية، بل ارتبطت أيضًا بواحدة من أكثر الأدوات تأثيرًا في صناعة النفوذ وهى" المال"، فالقضية الفلسطينية، بما تحمله من حضور ديني وإنساني وعاطفي عابر للحدود، تحولت في روايات وشهادات عدد من قيادات الجماعة ومنتقديها إلى مدخل لجمع التبرعات وحشد الأنصار وبناء شبكات ممتدة من التأثير.
وبين روايات تاريخية تتحدث عن مصير أموال جُمعت باسم فلسطين، وشهادات لاحقة تتناول توسع النشاط الإغاثي والمالي للجماعة تحت عناوين متعددة، يبرز سؤال لا يزال مثيرًا للجدل؛ كيف تحولت شعارات النصرة والإغاثة إلى منظومة مالية واسعة، وأين ذهبت الأموال التي تدفقت تحت لافتة الدفاع عن قضايا المسلمين؟ وهل كانت الإغاثة هدفًا في حد ذاتها، أم إحدى أدوات بناء التنظيم وتمويل مشروعه؟ في هذا الملف يتحدث لنا سامح فايز الباحث في شؤون حركات الإسلام السياسي.
الإخوان استخدمت القضية الفلسطينية ووظفتها لجمع التبرعات
أكد "سامح " أن جماعة الإخوان منذ عقود، ارتبطت بالقضية الفلسطينية باعتبارها واحدة من أبرز القضايا التي وظفتها في الحشد والتعبئة واستقطاب التأييد الشعبي.
وقال: غير أن شهادات لعدد من الشخصيات المحسوبة على التيار الإخواني، إلى جانب قراءات باحثين في شؤون الجماعات، تثير تساؤلات بشأن مصير الأموال التي جُمعت تحت لافتة دعم فلسطين وإغاثة المسلمين في مناطق الصراع، وما إذا كانت هذه الأموال قد وُجهت بالكامل إلى الأهداف التي جُمعت من أجلها أم دخل جزء منها في تمويل أنشطة أخرى للجماعة.
تبرعات فلسطين للتأثير والدعاية وليس للمجاهدين
وأوضح" سامح " في شهادة محمود عبد الحليم، عضو الهيئة التأسيسية لجماعة الإخوان، في كتابه "الإخوان : أحداث صنعت التاريخ"، يتحدث عن آلية جمع التبرعات للقضية الفلسطينية، أن الأموال كانت تُجمع من المساجد والمقاهي والبارات، بهدف لم يكن بالضرورة إعانة المجاهدين الفلسطينيين، معتبرًا أنهم لم يكونوا في حاجة مباشرة إلى تلك الأموال، في ظل وجود دعم من كبار التجار والأثرياء الفلسطينيين.
وتابع: حيث أن عملية جمع التبرعات كانت، وفق روايته، وسيلة للتأثير في الناس وربط عقولهم وقلوبهم بالقضية الفلسطينية، فضلًا عن كونها اختبارًا لمدى تجاوب الجمهور معها.
وبحسب شهادته، فإن الأموال التي جُمعت لم تكن تُرسل إلى المجاهدين، وإنما كانت تُخصص لشؤون الدعاية للقضية بناءً على توجيهات اللجنة العليا، التي كانت تمد القائمين على الحملة بمبالغ إضافية من مواردها الخاصة.
وأشار "فايز" إلى أن الكتاب يوضح نشاط الدعاية للقضية الفلسطينية كان يحتاج إلى إنفاق واسع، وأن اللجنة العليا كانت تعتبر هذا النشاط من أهم الوسائل المساندة للقضية، معتبرًا أن الجماعة، وهي في بداياتها، لم تكن قادرة على تنفيذ حملات دعائية واسعة دون توفير موارد مالية كبيرة.
وأكد الباحث في شؤون الجماعات المتطرفة أن هذه الرواية التاريخية تلتقي مع ما أورده علي عشماوي، أحد قادة التنظيم الخاص داخل الجماعة، في كتابه "التاريخ السري للإخوان" الصادر عام 2006.
ونوه بأن "عشماوي" أكد أن الجماعة كانت تعيد فتح باب التبرعات كلما سنحت فرصة مرتبطة بقضية الأقصى، تحت عناوين مثل التطوع لإنقاذ الأقصى، معتبرًا أن هذه الدعوات كانت تفتح المجال لجمع أموال جديدة، مع اتهامات بتخزين جانب منها وشراء أسلحة لحساب التنظيم.
مسارات أموال الإخوان تحت المجهر
وأوضح "سامح" أن "عشماوي" يذهب في كتابه إلى أن حجم التبرعات التي جُمعت تحت عنوان دعم فلسطين خلال فترة حسن البنّا لم يكن مصيرها معروفًا بصورة واضحة، متحدثًا كذلك عن تحفظات بشأن حجم الدور العسكري الذي أدته الجماعة خلال حرب 1948، وهي روايات تبقى ضمن شهادات أصحابها وتحتاج إلى وضعها في سياقها التاريخي ومقارنتها بالمصادر والوثائق الأخرى.
ويمتد الجدل حول توظيف المال والتبرعات داخل الجماعة إلى العقود التالية، حيث يستند الباحث في شؤون الجماعات عمرو فاروق إلى روايات من بينها أحاديث أحمد السكري، أحد رفاق حسن البنّا في مرحلة التأسيس، للقول إن القضية الفلسطينية استُخدمت كذلك في جمع التبرعات من المصريين والمسلمين، مع بقاء تساؤلات حول المصير النهائي لجانب من هذه الأموال.
ويؤكد" سامح فايز" أن عمرو فاروق أشار إلى أن الجماعة تمكنت، منذ ثمانينيات القرن الماضي، من توسيع نشاطها المالي والإغاثي من خلال مؤسسات ومنظمات تعمل في الخارج، ومن بينها منظمة الإغاثة الإسلامية التي تأسست عام 1984، والتي يقول إنها انتشرت في أكثر من 90 دولة، واعتمدت على جمع التبرعات من الجاليات العربية والإسلامية في أوروبا والغرب، إلى جانب نشاطها في المنطقة العربية.
وحاولت فتح فرع لها في مصر خلال العقود السابقة، لكنها واجهت رفضًا حتى نهاية فترة حكم الرئيس الراحل حسني مبارك، قبل أن تتمكن من فتح فرع في عام 2011، ثم أُغلق في عام 2013؛ مشيرًا إلى أن الفرع تلقى أموالًا من مقر المنظمة في لندن تجاوزت 30 مليون دولار، مع إثارة تساؤلات بشأن مصير تلك الأموال.
من حمع الأموال للإغاثة إلى النفوذ
وأوضح " سامح " أن الأمر لا يتوقف عند حدود القضية الفلسطينية، إذ يشير إلى توظيف الخطاب الإغاثي في ملفات أخرى مثل البوسنة والهرسك وكشمير، فضلًا عن استثمار أجواء التعبئة المرتبطة بالجهاد الأفغاني، معتبرًا أن العمل الإغاثي شكّل غطاءً لجمع الأموال من خلال توظيف المشاعر الدينية وشعارات حماية المسلمين.
وأكد سامح فايز الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أن مرحلة أخرى بدأت بعد عام 1993، مع التوسع في تأسيس المؤسسات والمنظمات الإسلامية في الخارج تحت عناوين الإغاثة والعمل الاجتماعي والتأهيل والتعليم، خاصة في أوروبا والمنطقة العربية، وذلك وفق رواية الباحث عمرو فاروق حيث تحولت بعض هذه المؤسسات إلى قنوات لجمع التبرعات والصدقات، قبل أن تتقاطع تلك الأموال مع مشروعات اقتصادية ارتبطت بصعود خيرت الشاطر وقضية "سلسبيل".
وأضاف الباحث في شؤون الحركات المتطرفة، أنه ما بين شهادات تاريخية وروايات بحثية متباينة، تظل قضية الأموال التي جُمعت باسم فلسطين والإغاثة محل جدل يحتاج إلى مزيد من الوثائق والتحقق المستقل.
لكن الثابت في هذه الشهادات أن المال لم يكن بعيدًا عن مشروع الجماعة، وأن أدوات الإغاثة والدعوة والتعبئة ارتبطت، في مراحل مختلفة، ببناء شبكات واسعة من النفوذ والتمويل.