في قلب المنطقة الثقافية بجزيرة السعديات في أبوظبي، تبدو تجربة "تيم لاب فينومينا أبوظبي" مختلفة منذ اللحظة الأولى، فهي ليست متحفًا تقليديًا تدخل إليه لمشاهدة لوحات أو أعمال فنية ثابتة، وإنما مساحة واسعة يتغير فيها الفن باستمرار، ويتفاعل مع حركة الزائر والعناصر المحيطة به.
خلال زيارتي إلى أبوظبي، كانت تيم لاب فينومينا واحدة من التجارب التي حرصت على خوضها، بعدما سمعت كثيرًا عن فكرة المكان التي تقوم على تحويل الضوء والمياه والهواء والحركة إلى أعمال فنية متغيرة، بحيث لا يكتفي الزائر بمشاهدة العمل، وإنما يصبح جزءًا منه.
وبمجرد الدخول، كان واضحًا أن التجربة مختلفة عن أي معرض فني تقليدي؛ فالمكان يعتمد على مساحات واسعة ومظلمة نسبيًا، تتداخل فيها الإضاءة والصوت والحركة، بينما تتغير الأعمال الفنية باستمرار وفقًا لما يحدث داخل كل مساحة.
الفن لا يُشاهد فقط.. وإنما يُعاش
الفكرة الأساسية التي يقوم عليها تيم لاب فينومينا هي أن العمل الفني لا يكون ثابتًا ومستقلًا عن الزائر، وإنما يتشكل من خلال التفاعل بين الإنسان والبيئة والعناصر الطبيعية.
يقدم تيم لاب فينومينا أعمالًا فنية رقمية وتفاعلية تستجيب لحركة الزوار والعوامل المحيطة، بما يجعل التجربة مختلفة من شخص إلى آخر، وحتى الزيارة الواحدة يمكن أن تحمل تفاصيل مختلفة في كل مرة.
ويقع المركز في المنطقة الثقافية بجزيرة السعديات، وهي المنطقة التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أهم المراكز الثقافية والفنية في أبوظبي، وتضم عددًا من المؤسسات والمتاحف العالمية، من بينها اللوفر أبوظبي، ومتحف التاريخ الطبيعي ومتحف زايد الوطني، إلى جانب متاحف ومؤسسات ثقافية أخرى.
أما مبنى تيم لاب فينومينا نفسه، فقد صمم ليكون جزءًا من التجربة، وليس مجرد مكان لعرض الأعمال الفنية، إذ تبلغ مساحته نحو 17 ألف متر مربع، وتتميز مساحاته الداخلية والخارجية بتصميمات مستوحاة من الأشكال العضوية والطبيعة والحركة.
تجربة تتغير مع حركة الزائر
أكثر ما لفت انتباهي خلال الجولة أن الأعمال الفنية لا تبدو وكأنها موجودة في مكان بعيد عن الزائر، وإنما تشعر في بعض اللحظات بأنها تستجيب لك مباشرة.
في إحدى التجارب، رسمت صورة ولونتها بنفسي، ثم جرى مسحها ضوئيًا، وبعدها ظهرت أمامي بشكل متحرك.
المشهد كان مفاجئًا بالنسبة لي؛ فبدلًا من أن أرى الرسمة التي صنعتها على ورقة وتنتهي التجربة، وجدتها تتحرك أمامي، وبدأت أتابعها وأتحرك معها داخل المكان، وكأنها تأخذني معها إلى عالم خاص بها.
هذه اللحظة تحديدًا جعلتني أفهم الفكرة التي يقوم عليها المكان بصورة أفضل؛ فالموضوع ليس مجرد استخدام التكنولوجيا لإبهار الزائر، وإنما جعل الزائر نفسه جزءًا من التجربة الفنية.
الضوء والماء والهواء.. عناصر تتحول إلى فن
يعتمد تيم لاب فينومينا على مجموعة من العناصر الطبيعية والرقمية التي تتداخل مع بعضها لتكوين الأعمال الفنية، ومن بينها الضوء والماء والهواء والحركة، وفي بعض المساحات، يمكن للزائر أن يشاهد أشكالًا ضوئية تتغير باستمرار، بينما تعتمد تجارب أخرى على الحركة أو التفاعل مع البيئة المحيطة.
ومن بين الأعمال التي يضمها المكان Order in Chaos ، وهي تجربة تتفاعل مع حركة الزوار، إلى جانب Light Vortex ، التي تعتمد على الضوء والحركة لتكوين مشهد بصري متغير.
ولا توجد هنا طريقة واحدة صحيحة لخوض التجربة؛ يمكن للزائر أن يمشي، أو يقف، أو يتفاعل، أو ينتظر حتى يتغير المشهد أمامه، وفي كل حالة يمكن أن يرى شيئًا مختلفًا.
وهذا تحديدًا ما يجعل التجربة مناسبة لفئات عمرية مختلفة، فالأطفال يمكنهم التعامل معها باعتبارها عالمًا مليئًا بالألوان والحركة، بينما يمكن للكبار النظر إليها من زاوية فنية وتكنولوجية أكثر عمقًا.
ساعتان مرتا بسرعة
قضيت داخل تيم لاب فينومينا نحو ساعتين، لكن الإحساس بالوقت كان مختلفًا تمامًا، كلما انتهيت من مساحة، كنت أشعر بالفضول لمعرفة ما ينتظرني في المساحة التالية، خصوصًا أن كل عمل فني له طبيعة مختلفة، ولا توجد قاعة تشبه الأخرى بشكل كامل.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل التجربة مختلفة عن زيارة متحف تقليدي؛ ففي المتحف المعتاد قد تقف أمام لوحة لدقائق ثم تنتقل إلى أخرى، أما هنا فالأعمال نفسها تتحرك وتتغير، وبالتالي لا تشعر بأنك تشاهد صورة واحدة ثابتة.
وفي بعض التجارب، قد تحتاج إلى الانتظار أو الحركة أو الاقتراب حتى ترى التغيير، وهو ما يجعل الزيارة أقرب إلى الاستكشاف منها إلى المشاهدة التقليدية.