فى 10 أبريل 1925، صدرت رواية "جاتسبي العظيم" للكاتب الأمريكي إف. سكوت فيتزجيرالد، لكنها لم تحقق النجاح التجاري الذي كان يتوقعه صاحبها، وبعد مرور قرن، أصبحت الرواية واحدة من أشهر كلاسيكيات الأدب الأمريكي والعالمي.
لكن أهمية "جاتسبي العظيم" لا تتوقف عند قصتها وشخصياتها، فالرواية تقدم صورة حية عن أمريكا في عشرينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي عُرفت باسم "عصر الجاز"، وشهدت تغيرات كبيرة في الموضة والفنون والتصميم وأنماط الحياة.
عصر الجاز.. البذخ أسلوب حياة
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وعودة الازدهار الاقتصادي والسفر، شهدت الولايات المتحدة طفرة في مجالات الموضة والتصميم والمجوهرات والفنون والعمارة.
وفي النصف الأول من عشرينيات القرن الماضي، انتشرت الزخارف المستوحاة من الطبيعة، قبل أن تتجه الأذواق تدريجيًا إلى الأشكال الهندسية والاهتمام بالسرعة والحركة، وفي الوقت نفسه، ازداد تأثير موسيقى الجاز والفنون الأفريقية، إلى جانب افتتان واسع بالثقافة المصرية القديمة.
الساعات والمجوهرات.. رفاهية على طريقة العشرينيات
من الأمثلة اللافتة على ذلك ساعات "كارتييه" المعروفة باسم الساعات الغامضة، التي ظهرت للمرة الأولى قبل عشرينيات القرن الماضي، لكنها أصبحت أكثر فخامة وزخرفة خلال تلك الفترة.
كانت عقاربها تبدو وكأنها معلقة داخل قرص من الزجاج أو الكريستال، بينما صُنعت قواعد بعضها من الذهب أو زُينت بالأحجار الكريمة، وجاء بعضها الآخر بتصميمات مستوحاة من الحيوانات أو العمارة.
وهذا العالم الفخم ينعكس في "جاتسبي العظيم"، حيث لا تظهر الثروة في الأموال فقط، وإنما في المنازل والأثاث والتحف وكل التفاصيل المحيطة بالشخصيات.
منزل جاتسبي.. الحداثة تستعيد الماضي
رغم ارتباط عشرينيات القرن الماضي بالحداثة، لم يتراجع الاهتمام بالتحف والأثاث التاريخي، ويظهر ذلك في منزل جاي جاتسبي، الذي يضم غرفًا وديكورات تستحضر عصورًا أوروبية مختلفة، في مزيج بين الحداثة التي يعيشها المجتمع الأمريكي والحنين إلى الماضي.
ومن خلال هذا العالم يقدم فيتزجيرالد صورة لمجتمع أصبحت فيه المظاهر الفاخرة وسيلة لإثبات المكانة الاجتماعية.
السيارات.. رمز السرعة والثراء
كانت السيارة واحدة من أبرز رموز التغيير في عشرينيات القرن الماضي، ولذلك تحتل مكانة واضحة في الرواية، ويظهر جاتسبي بسيارة رولز رويس ضخمة، لتصبح السيارة جزءًا من صورته باعتباره رجلًا ثريًا يعيش وسط عالم من الحفلات والترف.
وفي فيلم "جاتسبي العظيم" الذي أُنتج عام 1974، استخدمت سيارة رولز رويس فانتوم 1 من طراز 1928، وقادها روبرت ريدفورد الذي أدى دور جاتسبي، وكانت السيارة قد بيعت في مزاد عام 2009 مقابل 238 ألف دولار، ثم بيعت مرة أخرى في 2022 مقابل 967 ألفًا و500 دولار.
المرأة الجديدة.. أزياء وحياة أكثر تحررًا
شهدت عشرينيات القرن الماضي تغيرًا ملحوظًا في أنماط حياة النساء، وظهر ذلك في الملابس والإكسسوارات وتسريحات الشعر.
انتشرت القصات الأقصر والملابس الأقل تقييدًا، إلى جانب الإكسسوارات المستوحاة من الموضة الفرنسية، مثل حوامل السجائر وزجاجات العطور والمجوهرات وأغطية الرأس التي تناسب تسريحات الشعر القصيرة.
وتظهر هذه الروح في شخصيتي ديزي بيوكانان وجوردان بيكر، اللتين يصفهما فيتزجيرالد في بداية الرواية بملابس بيضاء خفيفة، في صورة تختصر جانبًا من أناقة ذلك العصر.
لكن البريق الذي يحيط بعالم "جاتسبي العظيم" لا يستمر حتى النهاية، فالمأساة التي تصيب شخصيات الرواية تتزامن رمزيًا مع انهيار الوهم الذي صنعه عصر الجاز، قبل أن يضع الكساد الكبير حدًا لسنوات الازدهار الصاخبة.
لماذا بقي "جاتسبي العظيم" حاضرًا؟
بعد 100 عام من صدورها، لا تزال الرواية تُقرأ باعتبارها أكثر من مجرد قصة تدور حول جاي جاتسبي وديزي بيوكانان، فقد نجح فيتزجيرالد في تسجيل تفاصيل مرحلة كاملة، من الثروة والموضة والسيارات إلى الحفلات والموسيقى والتغير الاجتماعي.
ولهذا أصبحت "جاتسبي العظيم" نافذة أدبية على أمريكا في عشرينيات القرن الماضي، وعلى عصر كان يحتفي بالسرعة والثراء والحداثة، بينما يخفي خلف هذا البريق مجتمعًا تتغير قيمه بسرعة.

جاتسبي العظيم