إنّ الفكرَ الذي لا يؤمنُ إلا بنفسه ليس إلا تطرّفًا، وما التطرّفُ إلا فكرٌ لا يرى سوى رأيٍ واحد، ولا يعترفُ بغيره. وغالبًا ما يكون هذا الإيمانُ بالفكر إيمانَ تقليدٍ لا إيمانَ وعيٍ ونظر وتحليل.
ويكون الفكرُ حرًّا ومتّزنًا حين ينفتح على غيره، ويُدرك أنّ أفكارَه—مهما بلغت—ليست سوى اجتهاداتٍ قابلةٍ للتغيّر، تحتمل الخطأ والصواب. فليس على وجه الأرض فكرةٌ تعلو على الحوار أو تعجز عن النقاش، ولا فكرةٌ تستغني عن دليلٍ أو تسلم من النقد, إنّ كل فكرةٍ لا بدّ أن تجد من يؤمن بها، كما تجد من يرفضها، مهما بلغت من رفعة, فالتعدّدُ والاختلافُ والتشعّبُ سِماتٌ أصيلةٌ في الحياة، والفكرةُ عالمٌ واسع، تتنوّع فيه الألوانُ والوجوهُ والاتجاهات.
ولم يعرف عصرٌ من العصور، ولا زمنٌ من الأزمنة، ولا مكانٌ من الأمكنة، إجماعًا مطلقًا على رأيٍ واحد في أي قضية من قضاياه الكبرى, ناهيك عن الأقل أهمية أو الصغرى. بل إنّ الإنسانَ نفسه قد يتبدّل إيمانُه بفكرةٍ ما؛ فيضعفُ أو يتغيّر، وربما انقلب إلى نقيضه, فينبذ ما كان يعتقد من أفكار. وقد يتّفق الناس على الأصول، ثم يختلفون في الفروع، ثم تتكاثر الفروعُ حتى تصير أصولًا لغيرها، فتتفرّع القضيّةُ الواحدة إلى مساراتٍ لا تُحصى. وبين الأصول والفروع تتجدّد مواطنُ الاتفاق والاختلاف، وتنبثق قضايا جديدة أخرى؛ فتلك هي طبيعة العقل الإنساني: مرونةٌ لا تنفكّ، وتجددٌ لا ينقطع. ولعلّ الثابت الوحيد هو هذا التغيّر الدائم في حركة الفكر والحياة، وأنّ الاختلاف طبيعةٌ إنسانيةٌ صحيّة، في كل أمةٍ تعي إنسانيتها.
ففي العقائد الدينية, والتي يدين بها الكثير من سكان الأرض, في العقيدة الواحدة, عشراتُ المذاهب والاتجاهات، وأحيانا تتعدّد الفرق حتى تبلغ حدّ التناقض بين بعضها البعض. وتجد كم هائل من الاختلافات والآراء المتناقضة فيما بينها, وإذا كان هذا شأن القضايا الدينية، التي تمس عقل وقلب الإنسان ومصيره, فإنّ شؤون الحياة الأخرى أشدّ اتساعًا واختلافًا. ومن ثمّ، لا يصحّ أن يُساق الإنسانُ قسرًا بيد من حديد, لتحمله إلى اعتقادٍ ما, سواء كان في مسألة دينية أو دنيوية؛ فالقوّةُ قد تُرهب الجسد، لكنها تعجزعن إقناع العقل أو إخضاع الروح، أو السيطرة على ما يستقرّ في أعماقها.
فليس بالإيمانُ الصحيح, ما يفرض على الإنسان أن يكره مخالفيه؟ أو يُبيح له أن يُسيء إليهم، ويطعن في عقولهم وضمائرهم وأخلاقهم، لأنهم لم يشاركوه ما يعتقد؟ وكيف يتحوّل الخلافُ في الرأي إلى كراهيةٍ شخصية، ونفورٍ عام، وتطاولٍ جارح، بينما يظنّ كلُّ طرفٍ في قرارة نفسه أنّه يسعى إلى الخير، وينشر المحبّة، ويُحارب الشر؟ وكيف يتوهّم البعض أنّ الهداية حِكرٌ على آرائهم، وأنّ الجنّة لا تكون إلا من وافقهم، بينما يُصوّرون مخالفيهم دعاةً إلى الضلال، يسوقون الناس إلى الجحيم والهلاك؟ لعلّ السؤال الأعمق ليس: من على صواب؟ بل يجب أن نتعلم, كيف نختلف دون أن نفقد إنسانيتنا؟