رفعت جبر

الحرب المنتظرة على جمر الدونباس.. هل تدفع واشنطن بأوروبا إلى حرب الفناء؟

الثلاثاء، 18 أغسطس 2026 08:48 م


تتزاحم في أروقة السياسة العالمية وأرض المعارك العاصفة أسئلةٌ لم تعد مجرد فرضيات للتحليل الاستراتيجي، بل أصبحت هواجس تؤرق البشرية جمعاء، فهل نعيش بالفعل الدقائق الأخيرة التي تسبق الانفجار الأكبر بين الناتو وروسيا؟
بينما تسعى القيادة الأوكرانية لسباق الزمن وحسم المواجهات أو إشعالها قبل حلول الشتاء القارس، تبدو الصورة أكبر بكثير من مجرد نزاع إقليمي؛ إنها ملحمة تصفية حسابات تراكمت منذ أكثر من سبعة عقود، وتحديدًا منذ انقضاء الحرب العالمية الثانية. العالم اليوم يقف على جبل من الذخائر التي أُنتجت لتبتلع الأخضر واليابس، وكأن التاريخ يصرّ على أنه لا يغير مساراته الكبرى إلا بعد أن تنفد أخيرًا ترسانات الموت!

 

الدونباس: ساحة الصدمة بين التكنولوجيا الغربية والقوة الغاشمة

تتحول أرض دونيتسك والدونباس إلى مسرحٍ لمواجهة غير مسبوقة في تاريخ الحروب الحديثة، حيث تتواجه التكنولوجيا الغربية المتقدمة والأنظمة الذكية والمسيرات السيبرانية وتكتيكات الناتو مع أدوات الردع الروسي من الصواريخ الباليستية، القنابل الفراغية الثقيلة، ومقاتلات سوخوي- 57 وما يُعرف بمقاتلات الشبحية.
هل تكون هذه المعركة هي المؤجلة منذ خمسين عامًا بين المعسكرين الشرقي والغربي؛ حيث تلتقي أسلحة أكثر من 36 دولة أرسلت عتادها إلى أوكرانيا في مواجهة جدار ناري روسي يستند إلى دعمٍ وحلفٍ متنامٍ من الصين وكوريا الشمالية وإيران.

 

مأزق واشنطن وسقوط وهم "الحارس الشخصي"

تخوض الولايات المتحدة نفوذًا مجهدًا امتد من الشرق الأوسط إلى شرق أوروبا. ومع استنزاف المخزونات الإستراتيجية وقطع الغيار، تبعث واشنطن برسالة قاسية وصريحة لأوروبا، واليابان، وكوريا الجنوبية، وحتى العالم العربي، لقد انتهى زمن الحارس الشخصي المجاني وعلى الجميع أن يدفع الثمن أو يتحمل مسؤولية الدفاع عن نفسه.
تطالب واشنطن حلفاءها بالتحول السريع من رفاهية التصنيع المدني إلى اقتصاد الحرب؛ فلم يعد مقبولاً الاكتفاء بنسبة الـ  2% من الناتج المحلي الإجمالي التي حددها حلف الناتو للإنفاق الدفاعي، بل تتجه الضغوط نحو رفعها إلى   .3%يظهر ذلك جلياً في القفزة البولندية التي تجاوز إنفاقها العسكري 4%، وفي 'التحول التاريخي' الألماني بتخصيص صندوق دفاعي بقيمة 100 مليار يورو، إلى جانب التوسع الشديد لشركات السلاح الأوروبية (مثل رينميتال) لمضاعفة إنتاج قذائف المدفعية من عيار 155 ملم لسد الفجوة الميدانية أمام التفوق الروسي.

 

المؤامرة وتفكيك "روسيا القديمة".. أوهام أم واقع؟

تستند القراءة الروسية للأزمة إلى أن استهداف أوكرانيا باعتبارها النواة التاريخية لروسيا القديمة، ليس إلا محاولة غربية مدبرة لإعادة سيناريو تفكيك الاتحاد السوفيتي، لكن المشهد لم يعد كما كان في تسعينيات القرن الماضي؛ حيث نجحت موسكو في تحويل اقتصادها إلى 'اقتصاد الحرب' برفع الإنفاق العسكري إلى نحو 6% من الناتج المحلي الإجمالي، مستندة إلى شراكة تجارية مع الصين تجاوزت حاجز 240 مليار دولار، مما مكنها من الالتفاف على العقوبات الغربية وشحن سلاسل الإمداد بمستلزمات التصنيع العسكري. كما حظيت بدعم كبير من حلفائها الإقليميين في الشرق الرافضين للركوع لخريطة القطب الواحد، فضلًا عن تطوير أسلحة جديدة، ولا سيما مسيرات الأسراب الذكية والذكاء الاصطناعي العسكري والتى أصبحت حاسمة في قلب معادلات الميدان.

 

خاتمة استشرافية: صيف السلاح أم شتاء الفناء؟

أمام هذا المشهد القاتم، يتردد السؤال الأزلي: أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَن فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا؟ عندما تصبح ميزانيات التسليح هي الأضخم في التاريخ، وتتحول العقول البشرية من الابتكار العلمي والتنموي إلى ابتكار وسائل الإبادة، يبدو وكأن شرار أهل الأرض قد غلبوا خيرهم. إن العالم الذي يربط استقراره بـنفاد آخر رصاصة في المخازن، هو عالم يسير بخطى حثيثة نحو هاوية أعدّها بيده.
إن الرهان على وقف الحرب قبل الشتاء من خلال تصعيد المواجهة واستنزاف القدرات التنافسية للأمن الأوروبي هو رهان على صفيح ساخن. إذا استمر الغرب في دمج خطوط دفاعه المباشرة داخل الميدان الأوكراني، وتواصل تدفق السلاح واستنزاف العتاد، فإننا لن نكون أمام مجرد حرب بالوكالة، بل أمام مواجهة مباشرة شاملة بين الناتو وحلفاء الشرق.
إن اللحظة الحالية ليست مجرد أزمة سياسية عابرة، بل هي مفارق طرق تاريخية، إما أن يستفيق العقلاء لتأسيس نظام عالمي متوازن متعدد الأقطاب يحقن الدماء ويُعلي مبدأ السلام والتفاوض على مبدأ الحرب والصراع. أو أن تنزلق البشرية إلى حرب عالمية ثالثة، لا تُبقِ على رفاهية الغرب ولا تسمح بشرقٍ آمن، لتصمت بعدها المدفعية فقط عندما لا يبقى هناك من يطلق النار!
 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة