حازم حسين

ذكاء الآلة.. وأخلاق البشر

الإثنين، 17 أغسطس 2026 02:00 م


عطيّةُ مَن لا يملك لمَن لا يستحق، وسِحرٌ ينقلبُ على سَحرَتِه، فيُسحَرون به قبل ضحاياهم. تلك خُلاصة ما يجرى اليوم عبر النماذج اللغوية الكبيرة، وبعض صِيَغ الذكاء الرقميّة المُستحدَثة.

تُوَلَّدُ النصوص عن سوابق بشرية، بما لا يخلو من رائحةِ سرقةٍ أو انتحال، مع التباسٍ فى التوصيف يصنعه الوسيط غير المادى.
ويُوَقِّعُ عليها بشرٌ جُدد، يكذبون الكذبة ويُصدّقونها قبل سواهم، فتَذوى وتتضاءل مواهبُهم المحدودة أصلاً، ويواصلون مسيرةَ إنتاج الوَهْم واستهلاكه، فى متاهةٍ دائريّة لا تنكسر.

نملةٌ على جبلٍ شاهق، تُلَقّن ديناصوراتٍ على وَشْك الانقراض عند السفوح. برامجُ دُرِّبَتْ على خلاصة ما أنتجه النابغون، تُلَفّق محتوىً تغيب عنه الأصالةُ والابتكار، وينسبه آخرون لأنفسهم بلا حرجٍ أو حياء.

كأنّه وباءٌ آخذ فى الانتشار، يتمدَّد بتضاعيف مُتواليةٍ هندسية، وعمَّا قريب ستأكلُ الأغلبية من ركامها المُصطَنَع.
أمرُّ يوميًّا على أكوامٍ من المواد المُحرَّرة بأدواتٍ رقمية. قد يظنُّ أصحابُها أنَّ السرّ لم يخرج عن اثنين: الكاتب وحسابه على التطبيق، غير أنَّ الرائحة نفّاذة للغاية، ويد الآلة أوضح فى مَنتوجهم من بصمة البشر!

وعلى قَدر ما أكره الأمرَ، وأستهجنه لنفسى، فلا ألوم مَن يُحبّونه ويرتضونه لأنفسهم. أى أننى لست ضدّ الاستخدام فى ذاته، إنما أمقت المُداراة والإنكار، وما قد ينطويان عليه أحيانًا، أو غالبًا للأسف، من خديعة وتدليس.

استُهلِكَت البياناتُ الحقيقية، والآلات فى احتياجٍ للمزيد. تكتبُ للراغبين، ثمَّ تتدربُ على ما كتبته، كالذى يتقيَّأ ويتغذَّى على القىء.. وعند مرحلةٍ ما، ستكون العملية كلها مجرّد تدوير للنفايات بلا نهاية.

والحال، أننا فى حاجةٍ لحزمةِ إجراءاتٍ من مجالاتٍ شتّى: تشريع يُنظّم، وإدارة تُراقب، وتربية ناضجة على التلقّى، ومُدوّنة قِيَميّة تُعزّز قِيَم الشفافية والمُكاشَفة.
والباعث على ذلك، ألا تُستَلَب العقول دون وعىٍ لحساب مواد مُخلّقة، جيّدة شكلاً وسيئة فى المضمون، ولا أن يُشجِّع التجاهل مزيدًا من الناس على ادّعاء ما ليس فيهم، وبَيع بضاعة مغشوشة على خلاف المطلوب منهم، ومُقتضى العقد الذى هُو شِرعة المُتعاقدين.

والمؤكّد أن الجهة التى اتّفقت مع مُدرّس أو مُهندس أو كاتب رأى، ما كانت فى خاطرها أن تتحصّل على منهج أو مُخطّط أو مقالٍ من صُنع برنامج رقمى، وتغيب عنه الروح والخبرة العملية.

فالمسألة ليست مُجرّد كلام عابر، وإن تشابه ظاهرًا. فالعمل مهما بدا بسيطًا، يُمثّل خلاصة حياة بتجاربها وتفاصيلها الخاصة، حتى أنّ حمولة المفردة نفسها لا تتشابه لدى شخصين، ولو من بيئة واحدة.

يُحكَى فى سياق شبيه، أن بيكاسو أوقفته سيدة فى شارع، وبعدما رسم لها لوحةً سريعة، وطلب ما يرتضيه من أجر، اعترضت على المٌبالغة فى تقدير جهد خاطف، فرَدّ بأنه أنجز الرسمة فى عقود لا دقائق، قاصدًا حرفيّة العُمر لا فاصلة الزمن!

والمقال الذى يضعه كاتب، عاش ورأى وقرأ وتدرّب واشتبك مع الحياة والأحياء، ليس كأمرٍ من بضع سطور يرميه آخر لأحد التطبيقات، ثم ينسخ نصًّا بلاستيكيا يعجب الناظرين، ويبدو مصقولاً واحترافيًّا، غير أنه باهت بلا روح، يتقصّد الخداع، أو يبيع قصّة مزيّفة فى أحسن الافتراضات.

لا جدال فى الوقائع، ولا هروب منها.. صار الذكاءُ الاصطناعى واقعًا، وسيتّسع مداه باطّراد، وقد لا ينتهى العقد الجارى إلّا وله موطئ قَدمٍ فى كل نشاط إنسانى، صغيرًا كان أو كبيرًا، ومهما بدا للبعض تقليديًّا أو خارج نطاق الحداثة التقنيّة.

وعلينا أن نتصالح مع الطفرة، ونتأهّب لتمدُّدها فى شرايين الحياة اليومية، ولكن مع الاحتكام للعقل والحاجة، ومنطق التدرُّج الذى لا يُعطّل المسيرة، ولا يستبق التطوّر الطبيعى.

ولستُ على خلافٍ مع أدمغة السيلكون المُحيطة بنا من كل زاوية. وأرى أن العداوة لن تؤخّرها خطوةً واحدة، كما أُشدِّد على أن استعجال الغرق فى طوفانها لن يمنح الغارقين فرصًا أفضل.

غير أنه، من جُملة آثاره الجانبية المُتعدّدة، قد يُعَفّن أمخاخَهم، ويسلبهم أهمَّ ما يحتاجونه فى مستقبل مُؤَتْمَت، وأقصد القدرة على التفكّر والتدبّر، والتحلّى بالخيال والنزعة النقدية.

بعض المنصّات تضع شارة مع المواد البصرية، واتّجهت أخرى لتضمين علامة مائية فى النصوص. وسيستغرق الكشف وقتًا، وقد تتطور أدوات الاحتيال، والأفضل للجميع أن تُؤطَّر المنظومة، وتُوضَع لها معايير للثَّبْت والإحالة، وللمساءلة فى حالات الاحتيال المُتعَمّد.

وبعيدًا من التقنيات، فأسهل وسائل الكشف فى المُقارنة. الأرشيف باقٍ لا يتبدّل، ويُمكن استقراء مسار التطوّر على امتداد السنوات. وليس منطقيًّا أن تصحو الغربان بلابل وعصافير، ولو نامت فى أعشاشها!

الخطرُ ليس فى غيبة الأصالة فحسب، ولكن فى أن المحتوى المُنتج عبر أدوات الذكاء الاصطناعى لا حقوق لها، إلا حال التدخّل البشرى بنسبة ملموسة، وتكون الملكية والحماية للأجزاء البشرية.

وعلى قدر ما يصعُب اكتشاف الأصل الرقمى أحيانًا، فإن إثبات البصمة الإنسانية أصعب حال ثبوت التهمة، لا سيما مع الابتداء من محطّة التعمية والتضليل.
والضمانة الوحيدة لعدم الانزلاق إلى تلك المُعضلة المُعقّدة، أن يُبادر صاحب المادّة بإثبات أصلها وفصلها، والإفصاح عن الوسائط المُعتمَد عليها، ودرجة استخدامها، وفصل المكوّن البشرى فيها عن سواه بوضوح.

يتحمّل الأفراد مسؤولية ما ينسبونه لأنفسهم، صحّة وخطأ، دون أحقيّة فى تملُّكه طالما أنه ليس إبداعا خالصًا.
وذلك، مع التزام المؤسسات التى يتعاملون معها، أو تمرُّ موادّهم من خلالها، بإثبات البصمة الرقمية حال استوثقت منها، أو الإشارة إلى الاحتمالية فى حالات الشكّ وعدم اليقين.

سيُتيح ذلك فرز الأصيل من التقليد والمُحاكاة، وتوفير مساحة شفّافة للتلقّى، مع هامش أكبر لتسعير السلع والخدمات ذات المُكوّن الرقمى بما تستحقّه فعلاً، وبدون أن يُعامل الآلىّ منها مُعاملة البشرىّ الخالص.

مع تجنُّب الاعتماد على المواد المُخلّقة فى تدريب النماذج مُجدّدًا، بما يتسبب فى مُضاعفة الأثر السلبى للبيانات وعيوبها، لجهة الرداءة والتحيّز والتمييز ونقص الشمولية، وتضخيم العوار ونقاط الضعف.

نحتاج لتحديث النصوص، وتأطير الممارسات، ووضع مُدوّنة أخلاقية تُنظّم المسألة فى الملكية والحقوق وواجب الإفصاح.

لا خيار مع ذكاء الآلة، ولا بديل عن السير إلى جواره يوما بيومٍ. غير أن الفارق كبير بين أن يكون أداة أو قائدًا، وأن نستعين به أو نستسلم له.
وبين أن يُسهّل الحياة أو يُشوّهها، ويدعم المبتكرين أو يُحبطهم، ويسند الضعفاء أو يُوهمهم زورًا بالقوّة المفرطة.

المهم أن يُعزّز أفضل ما فينا، وألّا يُسيّد الضحالة والادّعاء، وأسوأ ما لدى البشر، وآخر ما يحتاجونه حاضرا ومستقبلاً.. والأهمّ ألّا نسمح بأن يُتَّخَذ الذكاء الاصطناعى قناعًا للغباء الطبيعى.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة