قياتى عاشور

الآباء المرهقون.. جيل يدفع فاتورة التريند

الإثنين، 17 أغسطس 2026 09:55 م


في خضم التحولات الاقتصادية والاجتماعية المتسارعة، نجد أنفسنا أمام ظاهرة سوسيولوجية ونفسية شديدة الوطأة تضغط على عصب الأسرة المصرية، يمكن أن نطلق عليها ظاهرة "الآباء المرهقين". لعقود مضت، كانت فلسفة التربية في الطبقة المتوسطة وما دونها تقوم على مفهوم "الستر" وتوفير الاحتياجات الأساسية من تعليم وصحة ومسكن، وكان الآباء يجدون تقديراً مجتمعياً واكتفاءً نفسياً بمجرد إنجاز هذه المهمة. أما اليوم، فقد تبدلت المعادلة جذرياً؛ إذ لم يعد التحدي يقتصر على تأمين الأساسيات، بل تحول إلى سباق يومي مرهق لمجاراة أنماط استهلاكية مفروضة من الخارج، استنزفت طاقة الآباء وحولتهم إلى آلات ركض لا تتوقف تلبيةً لمتطلبات لا تنتهي.


لقد لعبت منصات التواصل الاجتماعي دور "فاترينة العرض" المفتوحة على مدار الساعة، والتي أعادت تشكيل وعي الأبناء وصاغت مفهوماً جديداً للانتماء المجتمعي يقوم على ما يُعرف في علم الاجتماع بـ "الاستهلاك التفاخري". أصبح الأبناء، مدفوعين بضغط الأقران وصور المؤثرين، يطالبون بأحدث الهواتف الذكية، والملابس ذات العلامات التجارية، وارتياد أماكن محددة مكلفة، ليس لحاجتهم الفعلية إليها، بل لشراء "القبول الاجتماعي" وتجنب الشعور بالنقص. هذا الابتزاز الاستهلاكي الناعم وضع الآباء في مأزق قاسٍ؛ فهم يندفعون للعمل في أكثر من وظيفة، ويتحملون أعباء ديون ثقيلة، فقط لحماية أبنائهم من قسوة المقارنات الاجتماعية، حتى وإن كان ذلك على حساب صحتهم النفسية والبدنية.
ومن منظور التحليل المجتمعي، تكمن الخطورة في أن هذا النمط الاستهلاكي يغتال المعنى الحقيقي للتربية، ويؤسس لعلاقة مشوهة داخل الأسرة تُقاس فيها مكانة الأب أو الأم بقدرتهم الشرائية وتلبيتهم الفورية للرغبات. لقد وقع الآباء في فخ الرغبة في تعويض أبنائهم عما فاتهم، لكنهم دون أن يدركوا، يربون أجيالاً تعاني من الهشاشة النفسية، تستمد قيمتها من الأشياء التي تملكها لا من المهارات التي تكتسبها. وعندما تعجز الأسرة في لحظة ما عن تلبية هذه التطلعات الاستهلاكية المتزايدة، تقع الصدامات وتتفكك الروابط، ويتحول البيت من سكن آمن إلى ساحة للوم والشعور المتبادل بالتقصير.


نحن اليوم في أمس الحاجة إلى إعادة صياغة العقد الاجتماعي داخل الأسرة المصرية، وتحرير الآباء من سجن "المقارنات الاجتماعية". يجب أن نمتلك الجسارة لمواجهة الأبناء بحقائق الحياة، وتربيتهم على "الصلابة النفسية" وإدراك أن قيمتهم الحقيقية تكمن في عقولهم وأخلاقهم وليس في شاشات هواتفهم أو ماركات أحذيتهم. إن حماية الأسرة من هذا التغول الاستهلاكي تتطلب وعياً مجتمعياً يرفض تسليع العلاقات الإنسانية، ويدرك يقيناً أن الحب الحقيقي للأبناء لا يعني أبداً استنزاف الآباء حتى الرمق الأخير في سباق تفاخري لا نهاية له.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة