مبروك.. اخترت كليتك، طب اخترت مستقبلك؟
«هتدخل إيه؟»
السؤال الأشهر هذه الأيام في بيوت مصر.
بعد الثانوية، تبدأ رحلة المقارنات: مجموعك كام؟ طب ولا هندسة؟ حكومي ولا خاص؟ وإيه كلية القمة؟
لكن عندي سؤال أهم:
إنت بتختار كلية لسوق شغل موجود… ولا لمستقبل لسه بيتخلق؟
الطالب الذي يختار كليته اليوم قد يتخرج بعد أربع أو خمس سنوات في عالم مختلف تمامًا. عالم أصبح فيه الذكاء الاصطناعي يغيّر شكل المهن، والتكنولوجيا تخلق تخصصات جديدة، وبعض الوظائف التي نعرفها اليوم تتراجع، بينما تظهر وظائف لم تكن موجودة أصلًا عندما كان آباؤنا يختارون كلياتهم.
وتقديرات «المنتدى الاقتصادي العالمي» تشير إلى أن 170 مليون وظيفة جديدة قد تُستحدث عالميًا بحلول 2030، مقابل تغير أو اختفاء 92 مليون وظيفة، مع تصاعد الطلب على مهارات مثل الذكاء الاصطناعي والبيانات والأمن السيبراني، بالتوازي مع مهارات إنسانية كالتفكير الإبداعي والمرونة والتعلم المستمر.
إذن المشكلة ليست في «كليات القمة»… المشكلة في أننا ما زلنا نتصرف وكأن القمة ثابتة.
الطب مهم، والهندسة مهمة، وكل تخصص جاد له قيمته.
لكن «القمة» في المستقبل لن تكون اسم كلية مكتوبًا على شهادة.
القمة ستكون في المهارة التي يعرف العالم كيف يستخدمها.
وهنا أعتقد أن علينا أن نراجع طريقة تفكيرنا، كأسر وكمنظومة تعليم ومجتمع.
لا يصح أن يكون السؤال الوحيد للطالب:
«مجموعك يجيب لك إيه؟»
يجب أن نسأله أيضًا:
«إنت شاطر في إيه؟ بتحب إيه؟ وإيه المهارة اللي مستعد تتعلمها كل يوم؟»
لأن أخطر شيء أن نُخرج أجيالًا تحمل شهادات ممتازة، لكنها تبحث عن وظائف صُممت لسوق عمل الأمس.
وأهم ما يجب أن نفعله الآن ليس أن نتنبأ بأسماء الوظائف التي سيعمل بها أبناؤنا.
بل أن نعلمهم كيف يكونون مستعدين لوظيفة لم تُخلق بعد.
وهنا يأتي دور الدولة والجامعات: تعليم أكثر مرونة، تخصصات مرتبطة باحتياجات الاقتصاد، مهارات رقمية حقيقية، تدريب عملي، وشراكة أعمق مع سوق العمل.
ويأتي دور الأسرة أيضًا.
اتركوا لأبنائكم مساحة يختاروا.. بدل أن تختاروا لهم «اللقب» الذي يرضي الناس.
فبعد سنوات، لن يسألهم سوق العمل: «دخلت كلية قمة؟»
سيسأل سؤالًا أبسط وأصعب:
«إيه اللي تقدر تعمله؟»
وربما تكون أغلى نصيحة نقدمها لطلاب التنسيق هذا العام:
لا تختار الكلية التي تضمن لك أن تبدو ناجحًا اليوم… اختَر الطريق الذي يجعلك قادرًا على النجاح غدًا.
لأن الوظيفة التي ستعمل بها بعد خمس سنوات…
ربما لم تُخلق بعد.