محمود عبد الراضى

رسائل لم تُرسَل

الأحد، 16 أغسطس 2026 11:05 ص


هناك أرواح ترحل دون أن تترك لنا مهلة لترتيب الكلام، يغلقون الباب خلفهم بهدوء، ويتركوننا نمرر أصابعنا على شاشات الهواتف الباردة، نكتب رسائل نعرف يقينًا أنها لن تصل، ونمحوها قبل أن تقرأها عين غير أعيُننا.

في حقيقة الأمر، نحن لا نكتب للراحلين حين نكتب، بل نكتب لننقذ أنفسنا من غرق الصمت، ونسترد بعضًا من هواء تسرب مع وداعهم الناقص.

في زاويتنا الضيقة من هذا العالم المتسارع، يحتفظ كل منا بصندوق خفي، لا مفتاح له سوى الحنين، ولا قفل يغلقه سوى الذهول.

هناك تتراكم الكلمات التي خنقها الخجل، أو أجلها الغرور، أو بلعها الموت في لحظة خاطفة، نردد في سرنا: لو أننا قلناها، لو أننا اعتذرنا في الوقت المناسب، لو أننا أطلنا العناق أسبوعًا آخر أو دقيقة، لكن "لو" كلمة تتغذى على الندم، وتكبر كلما زاد الحبر كتمانًا وزادت المسافات اتساعًا.

إن أشد ما يؤلم في الوداع المفاجئ ليس الفقد في حد ذاته، بل القضايا المفتوحة التي لم تُحسم، والأسئلة التي ظلت معلقة في الهواء كغبار في حجرة مهجورة.

نكلم أطيافهم في الزحام، ونفتش عن وجوههم في الملامح العابرة، ونعيد تمثيل المشهد الأخير بسيناريوهات مختلفة، علنا نجد مخرجًا أرحم من هذه النهاية.

تتزاحم في صدورنا العبارات البسيطة التي تحولت بمرور الوقت إلى جبال: ""اشتقت إليك"، أو "أحبك" ، وحكايات وقصص وجلسات وكلمات بخلنا بها عندما كانت الآذان لا تزال تصغي.

غير أن الحياة، بقسوتها ولطفها في آن واحد، تعلّمنا أن الأوراق المهملة في درج الروح ليست هباءً، بل هي الشاهد الوحيد على أننا أحببنا بصدق، وأننا ما زلنا أسرى لإنسانيتنا التي ترفض نسيان من أضاؤوا عتمتنا يومًا ثم انطفأوا.

ربما لم تُرسَل تلك الرسائل، وربما لن يقرأها أصحابها أبدًا، لكنها حفرت مجراها في قلوبنا، لتمسي هي الوداع الأخير الذي لم نتمكن من قوله، والصلاة الصامتة التي نرسلها إلى جدار غيابهم العالي.

 




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة