خالد سنجر يكتب: عبيط القرية 1

الأحد، 16 أغسطس 2026 11:47 م
خالد سنجر يكتب: عبيط القرية 1 خالد سنجر

فى المضافات الواسعة والمجالس الكبيرة الفخمة والفارهة، حيث يجتمع كبار القرية ووجهاؤها وأغنياؤها يتسامرون ويلهون ويمرحون، تجدهم انقسموا فى مجلسهم إلى عدة مجموعات، منهم من يتسلى بلعب الورق أو الدومينو، ومنهم من التفوا حول الشيشة،  ومنهم من اختار الجلوس فى زاوية بعيدة عن صخب اللعب والتدخين، للاتفاق على صفقة أو تنفيذ مصلحة أو حتى تدبير مكيدة.

ووسط كل هذه الأجواء كان هناك شاب أربعيني نحيف الجسم أشعث الشعر أسمر الوجه يرتدي ملابس رثة لا تفرق بين صيف ولا شتاء، ينتقل ببطء وهدوء بين الجلسات بخطوات مدروسة، يضع ابريق للشاى واخر للقهوة على موقد الفحم يصب للحاضرين دون طلب،  يبدل حجارة الشيشة دون كلل، ينظف أرضية المكان أولا بأول،  دون أن يملى عليه أمر.. يمارس عمله بصمت مطبق.. يكفيه سيجارة من الحاج فلان أو ورقة نقدية من النائب علان أو قرص كيف من المعلم ترتان.
محروس شخص باهت بلا رأى أو قيمة حقيقية أو وزن أو حساب.. وجوده كعدمه.. كائن مهمل لا يملك صوتا ولا عقلا يفهم به ويدرك ما يدور حوله.. مثله مثل أى قطعة أثاث موجودة فى هذا المكان.. غافلا لا يعى.. مهدرا لا يحسب له حساب.. هكذا كان ينظر أكابر البلد إلى محروس مما حدا بهم إلى الاتفاق على تسميته ب"عبيط البلد".


نظرة هؤلاء العقلاء إلى محروس بهذا الشكل، شجعهم على الجهر أمامه بأكثر اسرارهم قبحا، وهمسوا فى سمعه بأكثر مكاءدهم دهاء، ظنا منهم أنهم يتحدثون فى حضرة جدار صامت لا يرى لا يسمع لا يتكلم.


ما لم يدركه هؤلاء الغافلون يوما ان هذا العبيط ليس سوى الصندوق الأسود لكل خطاياهم واسرارهم،  راصد لحظى يلتقط التفاصيل التى تخفى عن الأبصار،  والذاكرة النقية التى تسجل الخيانات والمؤامرات والمظالم دون نفاق أو مواربة.


هذه الحلقة الأولى من سلسلة قصص قصيرة بعنوان عبيط القرية، نحاول فيها سبر اغوار تلك الشخصية المركبة،  نغوص  من خلالها  فى عالم تتصادم فيه براءة الظاهر مع عبق الباطن، ونكشف عبر احداثها أن العبيط الحقيقى ليس صاحب العقل البسيط ، إنما العبيط الحقيقى هو من أضاع قلبه وانسانيته فى زحام المصالح.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة