أثار الشاعر السعودي الدكتور عبد الله محمد باشراحيل، رئيس مجلس أمناء جائزة الشيخ محمد بن صالح باشراحيل وحرمه، حالة واسعة من الجدل خلال الأيام الماضية، بعدما نشر عبر حسابه على موقع «فيس بوك» تعليقًا بدأ بالإشادة بتجربة الشاعر المصري محمد سالم ملوك، قبل أن ينتقل إلى هجوم حاد على عدد من رموز الشعر العربي الحديث، بينهم محمود درويش وأدونيس وبدر شاكر السياب، مستخدمًا أوصافًا اعتبرها شعراء ونقاد متجاوزة لحدود الاختلاف الأدبي.
وتصاعدت الأزمة مع دخول عدد من الشعراء والنقاد على خط الجدل، ثم امتدت إلى علاقة محمد ملوك بجائزة باشراحيل، وقصائد المديح التي كتبها في عبد الله باشراحيل، وصولًا إلى أسئلة حول دور الجوائز والمال والمنصات الثقافية في صناعة الحضور الأدبي، فيما لم تظهر حتى الآن أدلة تثبت الاتهامات المالية التي طُرحت خلال السجال.
كيف بدأت أزمة باشراحيل؟
بدأت القصة من قراءة كتبها الناقد والشاعر سيد يوسف حول قصيدة «كل ما يخشى» للشاعر محمد سالم ملوك، احتفى خلالها بتجربته الشعرية.
ودخل عبد الله باشراحيل إلى النقاش بمنشور طويل أشاد فيه بموهبة ملوك وبقيمة سيد يوسف النقدية، لكنه اعترض على ما اعتبره خضوعًا لتقسيمات نقدية تتعلق بالقديم والحديث والحداثة والمدارس الأدبية، قبل أن ينتقل من مناقشة القصيدة إلى موقفه من عدد من رموز الشعر العربي الحديث.
ماذا قال باشراحيل عن محمود درويش وأدونيس؟
تحدث باشراحيل عن ما وصفه بحداثة أدونيس ومحمود درويش وبدر شاكر السياب، معتبرًا أنها «تؤذن بالأفول»، مع استثناء جانب من شعر السياب قال إنه يحترمه.
وزادت حدة المنشور عندما استخدم باشراحيل في حديثه عن بعض أصحاب هذه التجارب تعبيرات من بينها «الحثالات» و«الجراثيم»، وربط رفضه لمشروعهم الشعري بما اعتبره تأثرًا بالنظريات الغربية وابتعادًا عن مفهومه للشعر وقضيته وهويته.
وامتد الجدل إلى أحمد شوقي أيضًا، بعدما تناول باشراحيل بعض أبياته بالنقد، ووصف بعضها بما أثار اعتراض متابعين، لتتحول المناقشة من قصيدة واحدة إلى سجال واسع حول تاريخ الشعر العربي القديم والحديث.
شعراء يردون: الاعتراض ليس على حقه في النقد
ركز عدد من المعترضين على أن المشكلة لم تكن في حق عبد الله باشراحيل في عدم الإعجاب بدرويش أو أدونيس، وإنما في اللغة التي استخدمها.
والشاعر حاتم مرعي فرأى أن هناك تناقضًا بين الدفاع عن الذائقة الفردية وبين إصدار أحكام نهائية على تجارب شعرية واسعة الحضور والتأثير، معتبرًا أن استخدام الأوصاف الشخصية ينقل النقاش من النقد الأدبي إلى السجال.
كما دخلت الشاعرة رضا أحمد على خط الأزمة، مؤكدة أن الاختلاف مع أي شاعر لا يعني إلغاء أثره أو الانتقال من نقد النص إلى إهانة صاحبه.
علاقة محمد ملوك بـ باشراحيل
دخل اسم محمد سالم ملوك بقوة إلى الجدل لأنه كان محور منشور باشراحيل منذ بدايته، كما أن له علاقة حديثة بالجائزة.
فقد سبق تكريم ملوك ضمن أنشطة جائزة باشراحيل، كما ألقى قصيدة في مدح عبد الله باشراحيل، قبل أن ينشر خلال الأزمة قصيدة جديدة أهداها إليه بعنوان «حسدوك».
وجعل هذا الأمر عددًا من المتابعين يربطون بين إشادة باشراحيل الكبيرة بملوك وبين علاقة الأخير بالجائزة، وهو ما فتح بابًا واسعًا للحديث عن تأثير الجوائز والمؤسسات الثقافية في صناعة المكانة الأدبية.
لكن لا توجد حتى الآن وثائق أو أدلة منشورة تثبت حصول محمد ملوك على مقابل مالي نظير مدح باشراحيل، أو أن تكريمه كان مشروطًا بموقف أدبي بعينه، ولذلك تظل مثل هذه الاتهامات جزءًا من السجال وليست حقائق ثابتة.
باشراحيل يرد: «أنا مش زعلان»
لم تتجه الأزمة إلى التهدئة بعد موجة الانتقادات، إذ نشر عبد الله باشراحيل نصًا ساخرًا قال فيه «أنا مش زعلان أنا بتسلى»، واستخدم خلاله وصف «شوية خرفان» في الإشارة إلى بعض منتقديه.
وأدى هذا المنشور إلى توسيع دائرة الاعتراض، بعدما أصبحت لغة الردود نفسها جزءًا من الأزمة، وليس فقط موقف باشراحيل من درويش وأدونيس.
باشراحيل يتمسك بموقفه
وبالعودة إلى ما نشره باشراحيل لاحقًا، لم يظهر تراجع عن جوهر موقفه، فقد عاد إلى الحديث عن أدونيس، مؤكدًا أنه سبق أن ناقشه وجهًا لوجه في بيروت، وأنه لا يرى في معظم تجربته ما يتوافق مع مفهومه للشعر، كما أعاد تأكيد موقفه من محمود درويش.
وهذا الموقف ليس جديدًا على باشراحيل؛ إذ تكشف حوارات صحفية منشورة منذ نحو عشرين عامًا أنه أعلن آراء قريبة جدًا من موقفه الحالي تجاه درويش وأدونيس والحداثة الشعرية.
مفارقة.. جائزة باشراحيل سبق أن كرمت أدونيس
ورغم موقف عبد الله باشراحيل الشخصي من أدونيس، فإن الجائزة التي تحمل اسم الأسرة سبق أن كرمت أدونيس في إحدى دوراتها القديمة بجائزة تقديرية.
كما كرمت دورة 2026 اسم الشاعر الراحل أمل دنقل، وهو ما يجعل من غير الدقيق اعتبار موقف باشراحيل الشخصي من الحداثة سياسة رسمية للجائزة أو لجميع لجان تحكيمها.
هل تم حجب الجائزة بسبب الأزمة؟
لم تعلن جائزة باشراحيل حتى الآن إلغاء نشاطها أو تعليق دورة جديدة أو وقف الجائزة بسبب الأزمة، كما أن الحديث عن «الحجب» لا يعني حجب الجائزة نفسها؛ إذ تسمح قواعد المسابقة أصلًا بحجب أحد المراكز أو الفروع إذا لم تستوف الأعمال المستوى المطلوب، وسبق تطبيق ذلك في إحدى الدورات السابقة، ولم يصدر كذلك، وفق المعلن حتى الآن، قرار بسحب تكريم محمد ملوك أو تعديل نتائج دورة 2026 بسبب السجال.
40 اسمًا جديدًا.. ماذا أعلنت الجائزة؟
وفي أحدث تطور يتعلق بالجائزة، نشرت الهيئة التأسيسية إعلانًا موجهًا إلى المتقدمين الذين لم يفوزوا في دورة 2026، تحدث عن إعادة النظر في أسماء كانت قريبة من دائرة الفائزين.
وبحسب الإعلان، من المقرر اختيار 40 اسمًا بعد مراجعة من اللجنة الاستشارية، على أن يحصلوا على جوائز وفق درجاتهم، ويجري تسليمها مع دورة العام المقبل.
ولم يحدد الإعلان طبيعة هذه الجوائز بصورة تفصيلية، كما لم يربط القرار بالأزمة التي صاحبت تصريحات عبد الله باشراحيل، ولذلك لا يمكن الجزم بأن الخطوة جاءت استجابة للجدل.
أين وصلت أزمة باشراحيل؟
والثابت حتى الآن أن عبد الله باشراحيل لم يتراجع عن موقفه من محمود درويش وأدونيس، بينما استمر عدد من الشعراء والنقاد في رفض اللغة المستخدمة في وصف رموز الشعر العربي الحديث.