أسوأ ما يمكن أن يفعله ترامب لإيران، والأفضل لنفسه وبلده بالطبع، أن يحمل عصاه ويرحل فورًا، وليس بعد شوطٍ دائرى آخر، يستهلك مزيدًا من قواه، ثم يُعيده إلى النقطة ذاتها كالعادة!
والقصدُ؛ أن يُغادر مأزقه الراهن قبل أن يستفحل أكثر، ويترك غريمته لمصيرها المطمور الآن تحت غبار الحرب، ولحظتها الاستثنائية، وغِرائها الذى يُصلِّب مواقف المُتشدّدين، ويُكبّل الغاضبين، أجسادًا وأرواحًا.
وليست الدعوة فى هذا المقام إطلاقًا إلى أن ينفض يديه من المسؤولية عمّا آلت إليه الأوضاع فى المنطقة عمومًا، وفى مضيق هرمز على وجه الخصوص.
إنما يُدعَى لإبرام الاتفاق الأقلّ سوءًا من بين الخيارات المُتاحة، ولتعويض المضارين، وتنحية ظلّه الثقيل عن التفاعلات العاجلة والآجلة، فى الهضبة الفارسية، ومعها وحواليها، وعلى امتداد الإقليم كاملاً.
افتُتِحَتْ الجولةُ الجارية تحت لافتة الخطر النووى، وآلَتْ بعدها إلى مُجرّد الاختلاف على الملاحة البحرية.
وفيما يُثَبّتُ سيِّدُ البيت الأبيض سرديَّتَه القديمةَ، يُحوّرها نائبُه "فانس" علنًا؛ لتتّخذَ صيغةً مُضادّة بالكُليّة: الأولويّةُ لإبقاء أسعار النفط مُنخفضةً لمواطنيه الأمريكيِّين، ثمّ يعقُب ذلك أىّ أمرٍ آخر!
ووراء نقاط الخلاف الظاهرة، لا يبدو الصراع محسومًا بين الطرفين على مستوى القِيَم والأهداف الاستراتيجية، ولا مصبوغا بألوانٍ صريحة تُميّز هذا عن ذاك؛ بل السياق أقرب لتوأمين يتشاجران، أو مريض فصامٍ يصطنع من نفسه عدوّا وهميًّا أمام المرآة.
كان المضيقُ مفتوحًا حتى مبتدأ القتال الأخير، وتحوّل إلى منصة لاستعراض القوة، ومطمعٍ يُخْفَى بشأنه مقدار ما يُعلَن أو أكثر.
سبق أن لوَّحَ ترامب بفرض رسومِ عُبورٍ تُحصّلها واشنطن لقاء خدمات التأمين، وتراجع لاحقًا.
وقبل يومين، قال إنه بعد تمام النصر سيُعلِنُ المجرَى منطقةً أمريكية، ثمّ مُنِحَ الكلامُ صِفَةَ المزاح على لسان مصدرٍ من الإدارة، تحدَّث لصحيفة "وول ستريت جورنال".
وخبرةُ الأعوام، مع عُمق المعرفة برجلٍ يثقُ فى نفسه أضعافَ ثقته فى مُعاونيه جميعًا، وتتمحور دُنياه كاملة حول ذاته الفردية؛ تقطعُ بأنه لا يمزح على الإطلاق.
الأوقَعُ أنّ عقلَه الباطنَ يطغى على نسخته الواعية؛ فيُسرِّب ما يتمنّاه، أو يطمع فيه ويسعى إليه، عبر رسائله المُفكّكة والمتضاربة.
وقد ينفيها فى بعض الأحيان، أو يعود عنها ظاهرًا؛ إنما تبقى ولا تُقتَلَع تمامًا من قَعر جُمجمته، ومن أحلام يقظَتِه المُتكرِّرة.
المهم؛ أنه يخدم خصومه فى الجمهورية الإسلامية بأكثر مِمّا يحلمون، وعلى غير مقصده الحقيقى قطعًا. ذلك أنه يُغطّى على أزماتهم، ويمنحهم مظلّة يحتمون بها من الاستحقاقات الوطنية ذات الأولوية، ومن الأسئلة الشعبية الجارحة.
اهتزّت صورة النظام، وتهدّمت شرعيّته التى كانت مُتشقّقة. الشارع يغلى، والاقتصاد فى أسوأ حالاته. القيادات يختبئون، والمؤسسات منكشفة. آلاف المشروعات تعطّلت، وموارد كثيفة جُفِّفَت، والفقر والبطالة فى ازدياد.
كل ما فات وأكثر، يُنحّى جانبًا لأن البلد فى مواجهة مع الشيطان الأكبر. ويعود جانب من الصمت الاضطرارى إلى القبضة الأمنية، والخشية من المُزايدة والتخوين، وجوانب إلى الاعتداد بالذات، وغلبة الشعور القومى على ما عداه من اعتبارات.
وإذ يتبدّى من الولايات المُتّحدة نُزوعٌ إلى التهدئة، وانصراف عن التصعيد؛ ولو قِيل العكس أو استُخدِمَت اللغة بمعنىً آخر؛ فإن دولة الولىّ الفقيه تنحو إلى الضدّ.
وعليه؛ فيُمكن القول إن واشنطن تخشى الحرب، أكان بامتدادها الرمادى الراهن، أم بتجدُّدها على صورة أكثر سخونة واحتدامًا.
بينما يرتعب الملالى وجنرالاتهم وبقيّة المُنتفعين فى المنظومة الإيرانية القائمة، من هاجس الهدوء الطويل، ومن أية خاطرة تُبشِر بالسلام!
ويبدو أنهم يتحسّبون للمفاجآت فعلاً، ولا دليل أكبر من القرارات المنسوبة للمُرشد مؤخّرًا بشأن الهيكلة وإعادة تثبيت أو إحلال طبقة القيادة فى عّدّة مؤسسات، وأبرزها ما كانت فى قوات التعبئة الشعبية.
اختير حسين طائب على رأس "الباسيج"، وله خبرة طويلة فى استخبارات الحرس.
والغرض أن يستبق الوقائع على الأرض بعيونه وآذانه الواسعة، وأن يُشهر قبضته الغليظة للردع معنويا وماديًّا، حال انزلقت الأوضاع للأسوأ الآن، أو اضطُرّوا لاحقًا إلى تسويّة مع الخارج، تُفجّر فى وجوههم نزاعات الداخل المكتومة مؤقّتًا.
تتسيّد هناك صيغة جرّبناها فى المجال العربى، تحت شعار "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة".
وإزاء الشاغل الذى يُمنَح موقع الصدارة، لا يحقّ لأحدٍ أن يتشكّى، ولا للساعين إلى مستقبل أفضل، أن يبدأوا مساعيهم من حاضر يمضغه الشيوخ ورؤوس الميليشيا فى حرس الثورة وأذرعه المحلية والإقليمية.
على الأمريكيين أن يعترفوا بأخطائهم، وأن يسعوا لتصويبها. وأول العقلانية أن يُقرّوا بالهزيمة، وألا يُزاحموا خصومهم الأغبياء فى مزاعمهم الأكثر غباء بشأن النصر!
التحلّى بشجاعة الإقرار بأن الغُزاة لم ينتصروا فعلاً، سيفتح الباب إلى تسوية مقبولة بحسب السياق والتوازنات الحاليّة، على ألا تمنح العدوّ من رصيد الأصدقاء.
وأن تُبقى على موقفها المٌتشدّد اقتصاديًّا، وترهن مراجعة العقوبات وإعادة الدمج فى المنظومة الدولية بمقدار التجاوب والإجراءات العاقلة من جانب طهران؛ والغالب أنها لن تحدثّ!
والفكرة؛ أن الرجوع خطوة للوراء، سيحرم العمائم السود من ذريعة تطمر بها ضيق بيئتها الداخلية.
على أن تتكفل أوهام الفوز والاقتدار المتسلّطة على أذهان الصقور هناك، بإبعادهم عن فضائل المراجعة والتقييم والتقويم؛ فلا يستدركون على أخطائهم، ولا يُصوّبون مسارًا شقّوه، ويقودهم بانتظام نحو الهاوية!
قد يكون الاعتراف بقدرٍ من الهزيمة معبرًا إلى النصر، والعكس لدى الأصوليِّين ومَن يرون من ثقب إبرة أيديولوجية؛ فيُكرّرون خطاياهم، ويتكفّلون بأنفسهم.
ضعفُ الأمريكيين فى الماء، ومقتل إيران على البرّ. لا أمل فى تسليك شرايين الملاحة بالقوّة، ولا عقل فى الغزو بجنودٍ.
بينما الخطورة كلها على الدول ميليشياويّة الطابع فى أن تُترَك لامتحاناتها دون مساعدةٍ، وأن يُغلَق عليها القفص مع شعوبها، فلا يتيسّر لها الهروب للأمام، ولا مواصلة حَبس المُجتمعات فى الشعارات والأوهام!