لم تعد المعركة على السوشيال ميديا بين من يملك المعلومة ومن يجهلها بل أصبحت بين من يستطيع أن يخطف الانتباه ومن يترك الحقيقة تصل في هدوء.. وهنا تغير كل شيء.
في البداية جاءت مواقع التواصل كأوسع مساحة عرفها الإنسان للتعبير. لم يعد المواطن ينتظر صحيفة أو شاشة أو منبرا حتى يقول رأيه. هاتف صغير أصبح قادرا على نقل واقعة، وكشف مشكلة، ومساندة مظلوم، وإطلاق مبادرة، وصناعة قضية رأي عام.. كانت تلك ثورة حقيقية في توزيع الصوت...لكن الثورة نفسها حملت معها سؤالا لم ننتبه إليه مبكرا: ماذا يحدث عندما يصبح الوصول إلى الناس أسهل من التحقق مما يصل إليهم؟ هنا تبدأ المشكلة.
لم تعد المعلومة هي السلعة النادرة الانتباه هو السلعة.
ملايين المنشورات تتدفق كل يوم والمستخدم لا يستطيع قراءتها كلها. لذلك تتنافس المحتويات على شيء واحد: أن تتوقف عندها العين والمحتوى الأكثر إثارة غالبا هو الأكثر قدرة على الفوز بهذه المعركة.. خبر صادم.صورة مبتورة فيديو بلا سياق، اتهام مباشر، قصة تثير الغضب.. كلها تمتلك فرصة أكبر للانتشار من معلومة هادئة تحتاج إلى قراءة وتفكير...وهنا لا يصبح السؤال: هل هذا صحيح؟.
بل يصبح أحيانا: كم شخصا شاهده؟ وهذا أخطر تحول في ثقافة المعرفة...عدد المشاهدات ليس شهادة صحة وعدد المشاركات ليس دليلا وصعود المحتوى إلى الترند لا يجعله حقيقة...الخوارزمية لا تعرف الحقيقة بالضرورة هي تعرف ما الذي يجعل المستخدم يتوقف، ويشاهد، ويعلق، ويشارك.
وهنا تكمن المفارقة...المنصة التي صممت لتقريب الناس من المعلومات قد تدفعهم أحيانا إلى مزيد من الضوضاء لأن ما يجذب الانتباه ليس دائما ما يستحق الانتباه... نحن أمام اقتصاد كامل قائم على بيع الوقت كل ثانية يقضيها المستخدم على الشاشة لها قيمة. وكلما طال بقاؤه زادت قيمة المنصة. ولذلك يصبح المحتوى الذي يثير الفضول أو الغضب أو الخوف أكثر قدرة على المنافسة.. المشكلة إذن ليست فقط في الشخص الذي ينشر شائعة .. المشكلة في البيئة التي تستطيع الشائعة داخلها أن تتحول إلى ظاهرة.
وهنا نصل إلى صانع المحتوى لم يعد بعض صناع المحتوى مجرد أفراد يعرضون يومياتهم أو يقدمون الترفيه. أصبح بعضهم مصدرا للأخبار ومفسرا للأحداث وصاحب تأثير في القضايا العامة...وهذا ليس عيبا في حد ذاته .. المشكلة تبدأ عندما تتحول الشعبية إلى سلطة والمتابعون إلى جمهور يصدق دون سؤال ويصبح عدد المتابعين بديلا عن الخبرة.
ليس كل من يملك جمهورا يملك الحقيقة قد يكون الإنسان مشهورا ولا يعرف شيئا عن القضية التي يتحدث فيها وقد يكون المتخصص أقل شهرة لكنه يمتلك المعرفة التي يحتاج إليها الناس.. وهنا تظهر مسؤولية الإعلام المهني.
الإعلام ليس مطلوبا منه أن يكون أسرع من كل حساب على الإنترنت هذه معركة خاسرة.. قوته في شيء آخر: أن يكون أدق...أن يسأل عن المصدر ويفصل بين الخبر والرأى ويضع الصورة في سياقها ويعطي القارئ معلومة يستطيع الدفاع عنها. فإذا كان هاتف مجهول يستطيع أن ينشر الخبر في دقيقة، فإن الصحافة تستطيع أن تقول بعد تلك الدقيقة: ماذا حدث فعلا؟ وما الذي نعرفه؟ وما الذي لا نعرفه؟ هذه ليست منافسة بين القديم والجديد .. إنها معركة على معنى الحقيقة.. لكن الخطر يتجاوز الشائعات.. هناك التشهير وانتهاك الخصوصية، والتنمر، والتحريض، والتلاعب بالصور والفيديوهات، والحسابات الوهمية، والمحتوى المصمم خصيصًا لإشعال الغضب.. وفي زمن الذكاء الاصطناعي أصبح إنتاج محتوى مزيف مقنع أسهل من أي وقت مضى.
وهذا يفرض سؤالا جديدا على المجتمع والدولة والإعلام: كيف نحمي المجال العام دون أن نحول الحماية إلى خنق؟
الإجابة ليست بإغلاق المنصات ولا بمنع الناس من التعبير.
الحرية لا تحتاج إلى إلغاء وإنما إلى مسؤولية.. والتنظيم لا ينبغي أن يتحول إلى مصادرة كما أن حرية التعبير لا ينبغي أن تتحول إلى رخصة للتشهير أو نشر الأكاذيب.. المعادلة الدقيقة هي أن يبقى للإنسان حقه في النقد والاختلاف مع بقاء المسؤولية عن الأثر الذي يصنعه كلامه.. لأن الكلمة الرقمية ليست أقل خطورة من الكلمة المنشورة في صحيفة.
بل ربما تكون أخطر فالصحيفة لها مساحة محدودة.أما المنشور الرقمي فيستطيع أن يصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص خلال دقائق.. وهنا تقع مسؤولية المستخدم نفسه.
قبل أن تضغط مشاركة اسأل: من أين جاءت المعلومة؟ هل هناك مصدر؟ هل الصورة كاملة؟ هل أعرف سياقها؟ هل يمكن أن أضر إنسانا إذا كانت خاطئة؟ هذه الأسئلة البسيطة قد تمنع أضرارا كبيرة.. نحن بحاجة إلى ما يمكن تسميته المناعة الرقمية.. أن يتعلم الطفل قبل أن يتعلم كيف يصنع فيديو كيف يميز الفيديو الحقيقي من المزيف وأن يتعلم الطالب قبل أن يبحث عن الترند أن يبحث عن المصدر.
وأن يفهم المستخدم أن عدم مشاركة المعلومة غير الموثقة ليس ضعفا في الحضور بل قوة في المسؤولية.. لكن علينا أيضا ألا نضع كل اللوم على التكنولوجيا.. السوشيال ميديا لا تخلق كل مشكلات المجتمع من العدم هي تكشف بعضها وتضخم بعضها وتمنح بعضها سرعة لم تكن موجودة من قبل إذا انتشر خطاب الكراهية فعلينا أن نسأل عن البيئة التي أنتجته. وإذا أصبح المحتوى السطحي أكثر انتشارا فعلينا أن نسأل لماذا أصبح المحتوى الجاد أقل قدرة على المنافسة.
وإذا تحولت كل قضية إلى معركة إلكترونية، فعلينا أن نسأل: لماذا أصبح الحوار نفسه أكثر صعوبة؟ هذه الأسئلة أهم من مجرد مهاجمة المنصات.. لأن التكنولوجيا مرآة.. وما نراه فيها ليس دائما صناعة التكنولوجيا وحدها وإنما جزء من صورتنا نحن.. السوشيال ميديا تستطيع أن تكون أداة للمشاركة ومنصة للمعرفة، وساحة لدعم الموهوبين، ووسيلة لكشف الخلل ومجالا للتطوع والتكافل.. لكنها تستطيع أيضا أن تتحول إلى محكمة بلا قاض وصحيفة بلا محرر ومكبر صوت بلا مسؤولية.. وهنا لا نحتاج إلى حرب على السوشيال ميديا.. نحتاج إلى استعادة التوازن.. أن نعيد للحقيقة قيمتها وللمعلومة وزنها وللخبر مصدره وللنقد حدوده وللحرية مسؤوليتها لقد أعطتنا التكنولوجيا حقا لم يكن متاحا بهذه القوة من قبل: حق الوصول إلى الجمهور لكنها لم تعطنا حق امتلاك الحقيقة.. وهذه نقطة يجب ألا ننساها.. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث في المجال العام ليس أن يكذب شخص فهذا حدث منذ زمن طويل.. الأخطر أن يصبح الكذب قادرا على الانتشار أسرع من الحقيقة وأن تتحول الضجة إلى معيار، والمشاهدة إلى شرعية.والترند إلى محكمة.
في النهاية لن يكون السؤال: هل نوقف السوشيال ميديا؟
هذا مستحيل وغير مطلوب.. السؤال الحقيقي هو:
هل نستطيع أن نستخدم هذه القوة الجديدة دون أن تسمح لنا هي باستخدامها ضد أنفسنا؟ فالمستقبل لن يكون لمن يملك أعلى صوت ولا لمن يجمع أكبر عدد من المتابعين.
سيكون لمن يعرف كيف يفرق بين المعلومة والضوضاء وبين التأثير والتلاعب وبين حرية التعبير وفوضى التأثير.
السوشيال ميديا منحتنا جميعا ميكروفونا.. لكن المسؤولية وحدها هي التي تمنع الميكروفون من التحول إلى سلاح.