لا تزال أخبار العنف والجرائم فى المجتمع تفرض نفسها على مناقشات عديدة، بعضها على مواقع إخبارية والأغلب - للمفارقة - على مواقع التواصل أو فى الفيديوهات التى يقدمها من يتصدرون التأثير الافتراضى، وهنا خطر بالفعل من حجم التشويش والتشويه وأحيانا التدليس والكذب من أجل المشاهدات أو جذب الأنظار، وهنا نحن أمام نوعين من البشر، بعضهم يبالغ من أجل جذب الأنظار، والبعض فى الواقع يمارس الخداع والكذب ويخترع أكاذيب يعرف أن هناك قطعانا مستعدة لتصديقها، وبصراحة فإن هذا النوع هم الذين إما يعملون ضمن لجان هدفها إفقاد الناس الثقة فى أنفسهم وإشعارهم بالرعب، ويفترض أن يُحاسَب هؤلاء ويُسألوا عن مصادر هذه الأكاذيب، وقد أشرت إلى أحد كبار تجار «الهبد»، والذى يخرج فى فيديوهات «مصروف عليها» ليردد أى أكاذيب «متستفة»، ليوهم جمهور القطعان أنه يعرف، وهو فى الواقع يضرب ما يقوله كاملا.
ومثل هذا السام - أو «السيم» - هناك بعض تجار التريندات ممن كتبوا واخترعوا فى حادث التجمع أكثر مما يمكن أن يصل خيال المستنقعات، هناك من ربط الأمر بطباعة أموال وذهب وتهريب عملات وآثار أو علاقات استخباراتية، كأننا أمام عصابات وأجهزة، وهؤلاء يعرفون أنهم بعيدون عن الحساب، لكن لو تم استدعاؤهم ومحاسبتهم ربما يتوقف بعض هذا الهراء الذى هو غير موجود فى العالم بهذه الطريقة المبتزة.
الظاهر الآن أن عمليات النشر والتحليل تتم على صفحات التواصل، التى تتحول إلى مجال للاستعراض أكثر منها للمعرفة، ونرى البعض يعينون أنفسهم قضاة ومحللين من دون امتلاك الأدوات، ويصدرون أحكاما على المجتمع لا علاقة لها بالواقع والمعلومات والأرقام، بل إن هناك مواقع على وسائل التواصل تنشر جرائم قديمة من سنوات للمشاركة فى موسم النشر، وهو أمر يضاعف من نقل صورة غير صحيحة.
وهذا كله لا علاقة له بطرح أسئلة أو البحث عن إجابات حول الجريمة والعنف وما يجب أن تتم دراسته، لأن هؤلاء «الهبادين» من آكلى لحم الضحايا ليس من أهدافهم السؤال والجواب، ولكن جذب مشاهدات وتحقيق أرباح، وهنا نحن بالفعل أمام فوضى، وليس محللين، فالعنف فى المجتمع أو التساؤل حوله أمر مطروح من تسعينيات القرن العشرين، وللمفارقة كنا فى أغسطس صيف 2021 نتابع نفس التساؤلات تجاه أنواع من الجرائم ومعها أيضا ظواهر أصبحت الآن واضحة مع مواقع التواصل والفيديوهات أو ما ينشره أفراد يقومون بتصوير سياس أو بلطجية يهاجمون غيرهم ويتم القبض عليهم وعرضهم مع بيان بالتفاصيل.
وقبل خمس سنوات نقلنا عن عدد من خبراء الاجتماع والجريمة، أنهم يرون أن الجريمة فى مصر مثل بقية المجتمعات، وأن التطورات الاقتصادية والاجتماعية تقود إلى نوعيات من الجريمة تتطور حسب السكان وأعدادهم، وأن التوسع فى النشر يمثل أحد عوامل الشعور بتضاعف الجرائم، لكن مع الأخذ فى الاعتبار أن هناك بالفعل تضاعفا لأنواع من الجرائم العائلية حيث تتطور العلاقات بين الأزواج والزوجات أحيانا إلى قضايا وتربص وتجاوز، ما يدفع أحد الطرفين - أو كليهما - لممارسة التزييف أو العنف، أو الخطف المتبادل، وأحيانا تصل الأمور إلى ما حدث فى واقعة مدينة مايو، حيث تحولت جلسة صلح إلى مجزرة بسبب غياب القدرة على التفاهم.
ولو راجعنا أرشيف الإعلام خلال سنوات قريبة سوف نجد جرائم تقع فى نطاق الأسرة، من زوجات وأزواج، آباء وأمهات، أبناء وأحفاد، موزعة على محافظات مصر، وأغلب هذه الجرائم تكشفها أجهزة الأمن، وتتعامل معها وتحيل مرتكبيها للتحقيق والقضاء، بعض التعليقات ترى أن هذه نوعيات من الجرائم لم يكن المجتمع المصرى يعرفها، لكن هؤلاء ربما يتوقفون بالمجتمع عند صورة مثالية عدد سكان أقل ومجتمع أقل تعقيدا وأقل شعورا بالتفاوت والأطماع واللهاث ربما كانت هناك تربية ومجتمع الحى أو القرية الأكثر اعتدالا، وأن مصر عرفت السفر للعمل والهجرات المؤقتة وغياب الأب وأحيانا الوالدين، بل إن الريف شهد تحولا فى سفر فلاحيه إلى الخليج للعمل من السبعينيات والثمانينيات، وهو ما غيّر من تركيبة الريف والمجتمع ليكون أكثر تعقيدا وأقل تماسكا، عن ما كان عليه حتى السبعينيات، العالم كله تغير، وربما علينا أن نعترف بهذا التحول وأن تتحرك الجهات المسؤولة للتعامل معه وليس الفرجة عليه، وأن تنفق على أبحاث علمية اجتماعية مهمة لفهم المجتمع والتعامل مع ما يجرى فيه.

الجريمة والهبد الافتراضى