هناك روايات تقوها الحكاية ليس إلا، وروايات أخرى تفرض علينا منذ صفحاتها الأولى أن ننتبه إلى الطريقة التي اختارت أن تُحكي بها، ورواية "أشباح الأمومة" للكاتبة الباسكية كاتشا أجيرى إلى النوع الثانى، فالجريمة التي تنطلق منها شديدة القسوة والوضوح، تتحدث عن أم تقتل طفليها التوأمين، ومع ذلك سرعان ما تتسع الرواية خارج حدود الواقعة، وتصبح الجريمة مدخلًا إلى أسئلة كثيرة عن الأمومة والمرأة والذات والآخر والكتابة والتفكير، وعن الطريقة التي نصنع بها أحكامنا على الآخرين.
وهذا الاتساع ينعكس أول الأمر على شكل الرواية نفسها، حيث تتحرك "أشباح الأمومة" بين أنماط مختلفة من الكتابة، فنجد الحكاية الروائية، كما نجد المقالة، ولا نعدم التقرير الصحفي والمرافعة القضائية، ونتابع فصولا قائمة على البحث التاريخي، ونتوقف عند الوقائع المأخوذة من الحياة والتأمل الشخصي، والاعترافات التي تقترب من أكثر مناطق النفس حساسية، وهذه الخطابات تتجاور داخل النص، ويتولى كل واحد منها الاقتراب من القضية من زاوية مختلفة، كما أن كل خطاب يستطيع أن يقدم جزءًا من الحقيقة، بينما تظل التجربة الإنسانية أوسع وأكثر تعقيدًا.
ولهذا تتحرك كاتشا أجيري باستمرار بين الخارج والداخل، بين ما حدث وما يمكن أن يكون قد حدث داخل النفس، ومع هذا الانتقال تبدأ الجريمة في فقدان مركزيتها (المطلقة) ويتقدم موضوع آخر إلى الواجهة هو (الأمومة نفسها).
والأمومة هنا تجربة شديدة التعقيد تحمل الحب والخوف، والاقتراب والرغبة في المسافة، والسعادة والإرهاق، والإحساس بالاكتمال والشعور بفقدان جزء من الذات، وتمنح الرواية هذه المشاعر كلها حق الوجود داخل النص من دون أن تبحث عن صورة نموذجية للأم.
لقد صنعت الثقافة عبر قرون طويلة صورة شبه مستقرة للأم، ترتبط هذه الصورة بالعطاء والتضحية والحنان والاستعداد الدائم للتنازل عن الذات، ومع الزمن أصبحت هذه الصفات جزءًا من توقع اجتماعي واسع، بحيث تبدو المشاعر التي تقع خارج هذه الصورة غريبة أو محرجة أو عصية على الاعتراف، ورواية "أشباح الأمومة" تدخل إلى هذه المساحة تحديدًا، فتراقب المرأة التي أصبحت أمًا، وما يحدث لعلاقتها بجسدها ووقتها وعملها وذاتها القديمة، ومن هنا تظهر مشاعر متناقضة يصعب اختصارها داخل تعريف واحد للأمومة.
وجاءت شخصية الراوية مهمة في بناء العمل، فهي أم وكاتبة في الوقت نفسه، وتصبح قضية المرأة التي قتلت طفليها جزءًا من انشغالها الشخصي والفكري، وهي تبحث في حياة امرأة أخرى، بينما تعيد النظر باستمرار في تجربتها هي مع الأمومة.
هنا يتداخل البحث في الآخر مع البحث في الذات، وهذا واحد من أجمل مستويات الرواية، لأن الكتابة نفسها تدخل في قلب القضية، هناك امرأة تحاول أن تعتني بطفلها، وهناك كاتبة تحاول أن تكتب كتابها، وفي الحالتين توجد عملية خلق تحتاج إلى الوقت والانتباه والطاقة، وبالتالي ينشأ التوتر بين الدورين، ويصبح السؤال عن الأمومة متصلًا بسؤال آخر عن هوية المرأة بعد أن تصبح أمًا.
ووسط هذا الصراع تأتي الوقائع التاريخية والتقارير الصحفية والمحاكمات لتوسع مجال الرواية، فالجريمة التي تبدو في البداية حادثًا استثنائيًا تدخل في سياق أقدم، وتظهر حالات أخرى وأمهات أخريات وجرائم أخرى، لتصبح القضية جزءًا من تاريخ طويل حاولت المجتمعات خلاله فهم الأم التي تؤذي أبناءها.
وتكشف هذه العودة إلى التاريخ شيئًا آخر هو حجم الصدمة التي تصيب المجتمع حين تأتي الجريمة من الأم، فهناك جرائم كثيرة يستطيع الناس فهم دوافعها حتى مع رفضها، أما جريمة الأم تجاه طفلها فتضرب تصورًا أعمق موجودًا في الوعي الجمعي، لأن الأم ترتبط في المخيلة بمصدر الحماية الأول، وحين تتحول الحماية إلى خطر يصبح السؤال أكبر من الجريمة نفسها.
لهذا تحتاج الرواية إلى المحكمة والصحافة والتاريخ وعلم النفس والتجربة الشخصية، إنها تجمع أشكالًا مختلفة من المعرفة حول شيء يصعب على خطاب واحد أن يحتويه، وهنا يظهر جانب آخر من قوتها هو "التناقض".
الرواية ممتلئة بأفكار تتجاور رغم اختلافها، وبمشاعر تتحرك في اتجاهات متعارضة، القارئ نفسه يدخل في هذا الاضطراب ويعرف حجم الجريمة ثم يجد نفسه أمام تاريخ المرأة وحالتها النفسية والأسئلة المحيطة بالأمومة، فيبدأ موقفه في التعقيد.
وفي النهاية تترك "أشباح الأمومة" قارئها أمام الأمومة باعتبارها تجربة أكثر اتساعًا من الصور التي تراكمت حولها، هناك الحب والتضحية، وهناك أيضًا الخوف والإرهاق والقلق والرغبة في الاحتفاظ بالذات.