كانت مسيرة الاكتئاب في داخله ممتدة، كأنها لا تبدأ من نقطة ولا تنتهي عند حد. شيء يتسلل بهدوء، ثم يستقر، ثم يتكاثر حتى لا يترك في داخله زاوية إلا واحتلها. لم يكن عابرًا، بل حالة تشبه الكائن الذي يتنفس في صدره بدلًا منه.
كان يشعر بثقل يلفّ جسده كله، وكأن يدًا خفية تطبق على عنقه وتمنع عنه الهواء الكامل. فوق صدره غمامة دائمة، لا تمطر ولا تنقشع، لكنها تعكر كل شيء فيه: الفكرة، الشعور، وحتى الصمت. تراكمت الأحزان داخله طبقة فوق طبقة، حتى صار من الصعب التمييز بين الحزن الأول وما تلاه. ومع ذلك، كان يحرص على أن يبدو طبيعيًا. ليس لأنه بخير، بل لأن الاعتراف بما يحدث داخله كان يبدو كاتهام ثقيل، كأن المرض النفسي نفسه تهمة قبل أن يكون حالة.
كان يرى كيف يُنظر إلى هذا الاضطراب كوصمة، وكيف يتحول صاحبه في عيون الآخرين إلى شيء يجب تجنبه أو إنكاره. وحتى إن اعترف الناس بوجوده، فإنهم غالبًا ما يستخدمونه كسلاح، لا كحقيقة إنسانية تستحق الفهم. لهذا، تعلم أن يخفي كل شيء. أن يبدو كما لو أنه خارج هذا الاضطراب تمامًا. وفي داخله، كان يراقب نفسه بعينين مختلفتين: عين تعترف، وأخرى تبرر، وكلاهما لا ينجو من التعب.
كان اعترافه الداخلي وحده هو المتنفس الوحيد. هناك، في صمته، كان يسمّي الأشياء بأسمائها دون خوف، ويحاول أن يفهم ما ينهشه، لا أن ينكره. لكن الفهم لم يكن كافيًا ليوقف ما كان يتسع داخله يومًا بعد يوم. كان الاكتئاب يتغذى على الأسباب الصغيرة والكبيرة معًا، يضيف سببًا فوق سبب، حتى صار وجوده جزءًا من يومه، لا حادثًا طارئًا عليه.
وفي خضم ذلك، كانت الحياة الاجتماعية ساحة مراقبة دائمة. كان يلتقط الكلمات قبل أن تُقال، والنظرات قبل أن تستقر، ويحاول قراءة ما وراء الوجوه كما لو أنه أستعد لنجاة لا تأتي. تعلم أن يختار صمته بعناية. الفتور، وادعاء الغفلة، كانا درعيه الوحيدين. ليس لأنهما قوة، بل لأنهما أقل كلفة من الشرح، وأقل خطرًا من الحقيقة.
أن تبدو غافلًا أهون من أن تُفهم على نحو خاطئ. لكن حتى هذا كان له ثمنه؛ ثمن أن تُختزل في صورة لا تشبهك، وأن تُترك وحدك مع ما لا يُقال. كان يسمع ما يُقال عنه دون أن يسمعه. أحيانًا كان يتخيل تفاصيله بدقة مخيفة، وكأنه يعرف مسبقًا كيف تُصاغ الحكايات عنه، وكيف يُضاف إليها ما لم يحدث أصلًا. ربما لأنه كان يراقب الناس جيدًا، يدرس وجوههم، حركاتهم، وصمتهم أيضًا، حتى صار يرى ما لا يقولونه أكثر مما يقولونه.
لكن في النهاية، لم يكن ما يقوله الآخرون هو ما يرهقه أكثر، بل ذلك الصوت الداخلي الذي لا يتوقف عن إعادة كل شيء من جديد، كأنه لا يثق بأي تفسير، ولا يسمح بأي راحة. كان يعيش بين اعتراف داخلي صامت، ومحاولة مستمرة للنجاة أمام العالم. وبينهما، كان الاكتئاب يواصل تمدده بهدوء، كأنه لا يحتاج إلى إذن كي يبقى.