نحن أجيال لم تعد تعيش اللحظة، بل تلتقطها، نسارع إلى تجميد الوقت في صورة قبل أن نمنحه فرصة ليتحرك في أرواحنا، نبتسم للعدسة أكثر مما نبتسم للذين يجلسون أمامنا، ونطعم هواتفنا تفاصيل موائدنا قبل أن تتذوقها أفواهنا.
لقد تحولنا من صُنّاع ذكريات إلى حُرّاس ألبومات، نقتطع الأحداث من سياق الحياة لنلقي بها في مقبرة الرقمنة.
ليست القضية مجرد حب للتوثيق، بل هي أزمة حضور، نذهب إلى الحفلات لنرفع شاشاتنا لا أيدينا، ونقصد الشواطئ لنلتقط غروب الشمس لا لنغوص في سكونه.
نسينا أن العين أبصر من العدسة، وأن الروح تحفظ ما لا تستطيع الكاميرا تسجيله، العاطفة لا تلتقطها بكسلات، والحفاوة لا تقاس بعدد الإعجابات.
لقد استبدلنا الذاكرة الوجدانية الصافية بذاكرة إلكترونية صماء، تبسّط الشعور وتختزله في مجرد مشهد قابل للتداول.
نعيش اليوم زمن المفارقة؛ فنحن نقضي ساعات في إتقان الإضاءة وضبط الزاوية، لنوهم الآخرين بأننا نعيش أوقاتاً ممتعة، بينما الحقيقة أننا فرّغنا تلك الأوقات من معناه الأساسي لنصنع منها شريطاً دعائياً.
أصبحنا نتأكد من جودة الصورة قبل أن نتأكد من جودة الشعور، التقطنا كل شيء، لكننا لم نعد نلمس أي شيء.
إن الخسارة الحقيقية ليست في مساحة التخزين المتوفرة على هواتفنا، بل في تلك الفراغات التي تتركها الأيام في قلوبنا حين تمر دون أن نعيشها بحواسنا كاملة.
فالذكريات الحقيقية هي تلك التي تُحفر في طيات الوجدان، نبتسم لها حين نغمض أعيننا، لا حين نمرر أصابعنا على شاشة زجاجية باردة.
دع الهاتف جانباً في المرة القادمة، اتركه يغفو قليلاً، وافسح المجال لعينيك كي تتسعا للجمال، ولقلبك كي يحفظ التفاصيل، اترك اللقطة تفوتك، لكي لا تفوتك الحياة.