تظل أحداث أغسطس من عام 2013 جرحاً غائراً في ذاكرة الوطن، وشاهدة في الوقت ذاته على إرادة رجال لم يترددوا لحظة واحدة في تقديم أرواحهم فداءً لمصر وشعبها، ومع صدور قرار الدولة الحاسم بفض اعتصامي "رابعة العدوية والنهضة" المسلحين، واللذين شكلا بؤرة خطيرة لتهديد الأمن القومي وترويع المواطنين، شنت الجماعات الإرهابية المسلحة هجوماً بربرياً خبيثاً ومخططاً له سلفاً على مركز شرطة كرداسة بمحافظة الجيزة، مستخدمين أسلحة ثقيلة وقذائف ومواجهات غير متكافئة، ليجسدوا واحدة من أبشع المجازر الدموية في التاريخ الحديث.
في قلب هذه الملحمة، يقف اسم الشهيد البطل اللواء مصطفى الخطيب، مساعد مدير أمن الجيزة السابق، شامخاً كرمز للبسالة والشرف العسكري.
وبين دماء غالية سُفكت على أعتاب بيت من بيوت الله، وفخر عارم تتماسك به القلوب رغم مرارة الفراق، فتحت السيدة سحر يوسف، أرملة البطل الشهيد، خزائن ذكرياتها المثقلة بالوجع والكبرياء في حوار خاص ومستفيض مع " اليوم السابع"، بالتزامن مع الذكرى الثالثة عشرة لفض الاعتصامين والمأساة؛ لتروي خفايا اللحظات الأخيرة، وتفاصيل المؤامرة الخسيسة، والمكالمة المرعبة التي غيرت مجرى حياتها إلى الأبد.
.jpeg)
كيف بدأت شرارة هذا اليوم العصيب في حياتكم، وما كواليس الساعات الأولى لتفجر الأحداث في كرداسة؟
بدأ كل شيء بالتزامن التام مع إعلان الدولة فض اعتصامي رابعة والنهضة المسلحين، حيث سادت حالة من الاستنفار الشديد، خفافيش الظلام والإرهابيون لم يتحملوا إنهاء تلك البؤر الإجرامية، فشنوا هجوماً بربرياً وانتقامياً على مركز شرطة كرداسة، كان زوجي اللواء مصطفى الخطيب يؤدي واجبه الوطني في قلب المواجهة، يقود رجاله بكل ثبات وهيبة لمواجهة طوفان من التشدد والغل الدفين، متمسكاً بعهده وقسمه العسكري لحماية المؤسسة الأمنية ومنع إسقاط الدولة.
كشفتِ من قبل عن مفاجأة مدوية بشأن الحيلة التي لجأ إليها الإرهابيون قبل اقتحام مركز الشرطة.. ما تفاصيل ذلك؟
بالفعل، هذه الواقعة تجسد الخسة في أبهى صورها، اتصل بي زوجي هاتفياً قبل بدء الاقتحام والموقعة بدقائق معدودة، وكان صوته يحمل ثباتاً عظيماً ممزوجاً بقلق شديد على أرواح الأبرياء، أخبرني أن قادة الجماعة الإرهابية وأهالي المتهمين جمعوا أعداداً كبيرة من الأطفال والنساء من المناطق المحيطة، وجعلوهم في مقدمة الصفوف وجبهة الهجوم، لقد استخدموهم كدروع بشرية لحماية أنفسهم من نيران الشرطة، ولمنع الضباط من الدفاع عن القسم خشية إصابة امرأة أو طفل بريء، هذا الموقف بالذات يختصر الفارق الشاسع بين عقيدتين؛ عقيدة ظلامية تجعل من النساء والأطفال دروعاً لحماية عروشهم الواهية، وعقيدة رجال الشرطة الأوفياء الذين يحمون المواطنين بأجسادهم ويفضلون الشهادة على أن تسيل قطرة دم واحدة من مواطن بريء.

كيف جرت عملية اغتيال البطل اللواء مصطفى الخطيب داخل المسجد؟
الإرهابيون لم يجرؤوا على مواجهة زوجي وجهاً لوجه في ساحة الشرف؛ لما كان يتمتع به من شجاعة وبسالة، استدرجوه بحيلة خبيثة ومؤامرة دنيئة إلى مسجد قريب جداً من مركز شرطة كرداسة، بزعم وجود أمر طارئ ورغبة في التهدئة وحقن الدماء، ولأن الشهيد كان يحمل في قلبه غيرة على بيوت الله وحرصاً على الأرواح، توجه إلى المسجد دون تردد، وما إن وطأت قدماه أعتاب بيت الله، وفي اللحظة التي التفت فيها لتأمين المكان، عاجله قناص محترف برصاصة غدر وخيانة من الخلف أصابته في مقتل، ليسقط شهيداً ومضرجاً بدماء الشرف على عتبة المسجد وهو صائم ومؤدٍ لواجبه، وتصعد روحه الطاهرة إلى بارئها شاكية غدر الفئات الضالة التي استباحت الدماء المعصومة في الأقدس والأطهر من الأماكن.
صفِ لنا مشاعركِ والتفاصيل الدرامية التي عاشتها الأسرة أثناء متابعة الأحداث عبر الشاشات؟
كانت لحظات قاسية تفوق قدرة البشر على التحمل، كنت أجلس أمام شاشة التلفزيون والقلق يمزق أحشائي، والقنوات الإخبارية تنقل أنباءً متسارعة عن اشتباكات عنيفة ودامية في كرداسة.
حاولت الاتصال بهاتفه المحمول مراراً وتكراراً لكنه لم يكن يجيب، مما ضاعف من رغبتي الخائفة في الاطمئنان عليه.
وفي ذروة هذا الرعب القاتل، قررت الاتصال بهاتف المجند الشرطي المرافق لزوج زوجي بصفة دائمة، لعلي أجد مجيباً يهدئ من روعي.

وما الذي حدث عند إجراء تلك المكالمة الهاتفية؟
فتح الخط بالفعل، وظننت للوهلة الأولى أن الفرج قد جاء وسأسمع صوت زوجي أو المجند، لكن الصدمة كانت زلزالاً دمر كل شيء. لم يكن المتحدث هو المجند، بل رد عليّ شخص من عناصر التنظيم الإرهابي بنبرة تشفٍ وغدر وقسوة بالغة قائلاً: "قتلناهم كلهم"، تلك الكلمات نزلت عليّ كالصاعقة، وأصبت بحالة من الذهول التام والشلل عن التفكير وسقوط مفاجئ في حالة لا وعي.
كيف استقبلتِ الخبر اليقين بعد هذه المكالمة المرعبة؟
دخلت في حالة إنكار شديد من هول الصدمة، وبدأت أبحث عن أي أمل يلتف حوله قلبي، وفي لحظة انهيار، اتصلت بشقيقي وكان برتبة لواء شرطة، والدموع تخنق صوتي وأنا استغيث به لكي ينفي لي الكابوس، لكن صمته وبكاءه على الطرف الآخر كانا الإجابة القاطعة لاستشهاد زوجي وتأكيد انضمامه إلى قافلة الشهداء الأبرار.
كيف انعكس نبأ الاستشهاد على البنتين والبيت في تلك اللحظات؟
تحول المنزل في ثوانٍ معدودة إلى سرادق عزاء وانهيار كامل؛ ابنتي الكبرى بمجرد سماعها الخبر سقطت على الأرض مغشياً عليها وفقدت الوعي تماماً، بينما أصيبت ابنتي الثانية بصدمة نفسية حادة وفقدت النطق لعدة ساعات متواصلة، عاجزة عن البكاء أو الصراخ، أما أنا، فمن هول الصدمة واللاشعور، بدأت أتحرك في أرجاء البيت كالذهول، أبحث عن صور زوجي البطل المعلقة على الجدران والموضوعة في الألبومات، أجمعها كلها بين أحضاني وأبكي فوقها، أسترجع ملامح شريك عمري وسندي الذي رحل في لحظة خاطفة دون ذنب.
بعد مرور 13 عاماً على هذه الفاجعة.. ما الرسالة التي توجهينها اليوم لروح زوجك الشهيد؟
أقول له بلسان مشتاق ونبرة يملؤها الحنين والفخر: "وحشتنا جداً ومفتقدينك في كل لحظة وفي كل تفصيلة من حياتنا، الدنيا أصبحت شديدة الصعوبة والقسوة من بعدك يا سندنا، لكن اطمئن؛ البنتين كبروا واتجوزوا، وحققنا أمنيتك الغالية وسمينا أول حفيد لنا مصطفى على اسمك، ليبقى اسمك خالداً في العائلة كما هو محفور بحروف من نور في سجلات الوطن وشرف العسكرية المصرية، غبت عنا بجسدك لكن روحك وسيرتك العطرة تعيشان معنا في كل زاوية من زوايا المنزل".
وما هي رسالتك لعناصر الإرهاب الغادرين الذين تلطخت أيديهم بدماء الشهداء؟
أقول لهم بصوت ملؤه القوة والصلابة رغم الحزن: "حسبنا الله ونعم الوكيل فيكم، حرمتوني من شريك حياتي ونور عيني وحرمتم عائلات كثيرة من سندها، لقد نلتم عقابكم العادل في الدنيا بصدور أحكام الإعدام والقصاص العادل منكم، لكن انتظروا العقاب الأكبر والأشد والوليل من رب العباد يوم القيامة، العقوبة هناك أبدية وفي نار جهنم، وعند الله تجتمع الخصوم ولن تضيع دماء الشهداء الزكية هباءً".
كيف ترين جهود الدولة والمؤسسات الإعلامية في توثيق بطولات الشهداء؟
أتوجه بخالص الشكر والتقدير للشركة المتحدة للخدمات الإعلامية ولجريدة اليوم السابع، على جهودهم الوطنية الملموسة والمستمرة في توثيق قصص الأبطال وتخليد سيرهم العطرة.
إن هذه المبادرات الإعلامية والدرامية التوثيقية تعمل كدرع واقٍ لعقول الشباب ضد محاولات تزييف التاريخ، وتضمن بقاء تلك التضحيات الجسام حية في وجدان الأجيال القادمة، ليعلم الجميع كم كان ثمن استقرار هذا الوطن غالياً، وأن دماء شهدائنا هي المصل الذي حصن الدولة المصرية وجعلها تمضي بثبات ونمو.