تامر كمال

من مشنقة "ماري" إلى صمت الضمير.. حين ارتدى الجلاد ثوب الحارس

الخميس، 13 أغسطس 2026 10:18 م


هل تدرون من الذي يصنع المشنقة حقا؟ ليس الخشاب الذي قطع الجذع، ولا الحداد الذي أفرغ الحديد، بل أولئك الذين يملأون الميادين بلافتات العدالة، ويرتدون مسوح "حماة الحقوق"، بينما تمارس أبشع جرائم الإماتة والوأد تحت أبصارهم وبأيديهم.

القصة لا تبدأ من ذلك الميدان المزدحم في تينيسي الأمريكية عام 1916، بل تبدأ من المفارقة حين تقف الفيلة الضخمة "ماري" معلقة في الهواء من عنقها برافعة قطارات، بينما يصفق الحشد الذي يضم "قضاة المدينة"، و"المشرعين"، و"أوصياء الأخلاق"، و"حماة النظام".

هؤلاء أنفسهم هم من وضعوا القوانين، وهم من نصبوا أنفسهم حراس للحقوق، وهم أول من اغتالوها بدم بارد.

لم تكن "ماري" مجرد فيلة بخمسة أطنان من اللحم والعظم، بل كانت شاهد أخرس على سقوط الإنسان في اختبار أهليته للسيادة على الكوكب.

السيرك الذي استأجرها، والشرطة التي أمنت الطريق لموكب الإعدام، والمحكمة الشعبية التي أصدرت الحكم بلا محاكمة حقيقية، كلهم يمثلون مؤسسات تدعي أنها وجدت لحماية النظام ومنع الفوضى.

لكن أي نظام هذا الذي يستبدل التحقيق في خطأ المدرب الجاهل الذي غرز خطافه في جرح حيوان يتألم، بإعدام الضحية علنا؟

هنا يتجلى الوجه الحقيقي لرعاة الحقوق التاريخيين الذين لا يدافعون عن الحق لذاته، بل عن مصالحهم وشاشات عروضهم، وحين هددت صدمة الجمهور أرباح السيرك، سقطت كل شعارات الرفق والحماية والأخلاق، وتبارى "المتحضرون" في ابتكار أبشع طرق القتل "صعق، سحب بقطارات، شنق"، متناسين تماما أنهم يمارسون دور الجلاد وهم يرتدون قفازات القضاة البيضاء.

لو تأملنا طويلا في قصة الفيلة "ماري"، لاكتشفنا أن التاريخ يعيد نفسه بصمت وأنها ليست حادثة معزولة، بل هي النموذج المتكرر لتاريخ أول من انتهك حقوق الإنسان والحيوان والطبيعة، وهم أنفسهم الذين يوقعون على معاهدات حمايتها، ويملؤون المنابر بعبارات الاستدامة والسلام، والكيانات التي تنادي بحقوق الإنسان هي نفسها التي تبيع أسلحة الدمار، والمؤسسات التي تذرف دموع التماسيح على التغير المناخي وهي من تدعم في الخفاء عجلات المصانع الحارقة للكوكب.

"ماري" لم تقتل مدربها رغبة في القتل، بل كانت تصرخ من وجع الجرح والجهل الذي مارسه عليها من يدعي ترويضها وحمايتها.

وعندما ردت الطبيعة على صراخها، أقام "رعاة الحقوق" طقوسهم الدموية ليس لتنفيذ العدالة، ولكن للتأكيد علي أن الأقوى هو من يملك حق صياغة معنى "الجريمة".

حين نروي قصة الفيلة الشهيدة، لا نرويها لنبكي على حيوان راحل فحسب، بل لكشف الخفايا الكامنة خلف المتشدقين بالحقوق.

الجلاد الحقيقي لم يكن الحبل الذي التف حول عنق ماري مرتين حتى انكسرت ساقها ثم أُعيد ربطها بحبل أغلظ، بل كان ذلك الإدعاء الأبدي بأن الإنسان، ومن خلال مؤسساته وقوانينه، هو الحارس الأمين للكون.

إن رعاة الحقوق هم أول من انتهكوا الحق قولا وفعلا، لأنهم يختزلون الحق في مساحة خدمتهم، ويحولون العدالة إلى أداة استعراضية.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة