كما لو أنهم يسعون إلى لضم خيط واهٍ ومهترئ فى إبرة بلا ثُقب أصلا. تعب الوسطاء بين عدوّين يعرفان ما لا يريدانه؛ إنما يجهل كل منهما ما يبتغيه، ويقدر عليه، وما يقبله الآخر، ويُمكن أن تُضرَب له مواعيد ممكنة!
على ضفتين متقابلتين، يُلوح كل طرف بالبندقية من بعيد، وتحاصره النار وتتمدد فى الجوار، ولا يقفز فى الماء المتاخم خشية الغرق؛ بالرغم من أنهما يجيدان السباحة، ويقدران عليها، وإن فخخا الحوض، غباء أو من دون قصد!
أعلن القطريون عن وفاقٍ عظيم بشأن سياسات إدارة هُرمز بين طهران وسلطنة عُمان. وقال الباكستانيون إن القنوات المغلقة مع واشنطن أُعيد فتحها.
فيما ينفى الإيرانيون التفاوض من الأساس، جملة وتفصيلا، ويتهمهم ترامب بأنهم مراوغون، يستهلكون الوقت فى المناورات، ولا يبتغون الوصول إلى اتفاقٍ.
والجميع مُحقّون، ومُخطئون فى الآن ذاته. إذ الحرب دائرة ومُتوقّفة، ومُداولات التهدئة أيضًا، والغريمان مُقبلان على الحوار، وزاهدان فيه.
المشهد مشمول بكل الاحتمالات، ومفتوح على التأويل وعكسه، وليس إلا جماعًا من المُتضادّات!
اختُرِعَت الحرب لأسباب تخص إسرائيل أوّلاً، وجُلِبَت الولايات المُتّحدة لكى تلعب دورًا مصنوعا فى دراما كتبها نتنياهو، بعدما سُبِكَت خطوطها باحتيالٍ مُحكَم، وبِيعَت لها الرواية بمنطق «ورقة اليانصيب» الرابحة.
والحال؛ أن تل أبيب عادت من الجبهة من دون أن تحقق أهدافها، ولا أن تخسر ما يُعطّلها عن مواصلة مُخطّطها؛ فربحت قفزة واسعة للأمام، وخلخلة للأرض تحت أقدام الحلفاء والأعداء، وفسحة قد تُعظّم مكاسبها، قصدًا أو عَرَضًا؛ إنما لن تقتطع منها ولو قضمةً واحدة!
كانت الجولة الافتتاحية فى يونيو قبل الماضى عِبرية خالصة، وخُلِطَت الأوراق على مدار الشهور الثمانية التالية؛ فأصبحت الثانية حملة مُشتركة، ثمّ تأمرَكَت برغبة صهيونة؛ وإن ظنّ سيّد البيت الأبيض أنه حيّد الحليف المخبول، وفرض ولايته الخالصة على ميدان الصراع!
تسرّب ضبع الليكود على أمواج الطوفان، واستدرج الجمهورية الإسلامية ببطء من الخاصرة الشاميّة فى هلالها الشيعى القديم، ثم اقتفاه إلى عُمق الهضبة الفارسية، وكَسّر الهلال وامتداداته العريضة حتى جنوب لبنان/ شمال فلسطين.
تحوّل الردّ على الاعتداء، إلى رغبة فى الثأر، ثم سعى لتحصين الدولة وترميم جدار الردع. وهكذا ابتدأ من الاستجابة لخطر واقعٍ؛ لينتقل إلى الاستباق بشأن الأخطار المُحتَمَلة.
حُمِلَت الدعاية على جناح البرنامج النووى المطمور فى الأعماق، وما كان غير ذريعة للقفز على الأسوار العالية. وإرخاء المظلّة الأمريكية على كامل الفضاء المشترك والمُتقاطع، بين الأصولية اليهودية الجشعة، ونظيرتها الشيعية المشتبكة معها على المنافع لا المبادئ!
والدليل؛ أن الموضوع يغيب عن الواجهة الآن، أو لعلّه بات خارج التداول أصلاً. كانت القنبلة بعيدة، ثمّ صارت أبعد، وحتى مع احتمالية امتلاكها الضعيفة؛ فثالثوث الوصول غير مُتوفّر.
غير أن الجرى وراء الوهم وفّر للملالى وجنرالاتهم ذراعًا نوويّة أنظف وأشدّ تأثيرًا، تتمثل فى المضيق وتقييد الملاحة البحرية، وتعريف الصقور المُتحفّزين هُناك بما كانوا يحلمون به ولا يجرؤون عليه، وبعدما ذاقوه فلن يتخلّوا عنه غالبا، ولا بسهولة أو من دون أثمان مُقابلة!
وخُلاصة الانسداد الراهن؛ أن التوازنات القديمة سقطت، ولا ملامح واضحة لأى بديل جديد. كما لا قدرة لأحد من المغموسين فى ماء الإقليم، على أن يُسوّق رؤاه أو يفرضها على الآخرين.
هدأ المُنازلة أو تأجّجت مُجدّدًا؛ فإنها عوارض وتفاصيل لا تُفضى إلى شىء. كأننا إزاء مُصارعان فى حلبةٍ مُغلقة، مُتكافئان إلى درجة العجز، والعكس، لا يسعفهما أحد من الخارج، ولا يقدّر أيهما على هزيمة غريمه، غير أنه قادر على منعه من النصر!
ومع توجيه كامل الطاقة إلى تقويض الآخر، وتحجيم فرص وصوله إلى الحسم؛ يتحوّل المعنى الضمنى إلى أنه راغب عن الانتصار بإرادته، إذ لا يشتغل لأجله، أو بالحد الأدنى يقتنع بأنه لا سبيل إليه، وأقصى ما يمكن تحقيقه أن يحتفل بفشل العدو، لا بنجاحه الشخصى.
وأمام تلك المُعادلة، تتجمّد الوقائع على ما هى عليه، وتُصبح الحرب فى جولاتها المُتقطّعة مُجرد أداة للإيلام والاستنزاف المُتبادَل، ولكسر الاعتياد وتمرير الوقت.
وإلى ذلك؛ تتّسع فراغات فى الحيّز المشترك لا تجد من يتقدّم لشَغلِها؛ وإن أوحت بعض التصرفات بالعكس، إذ تكون غالبًا مُجرّد افتراضات تخييلية للإيحاء بالصلابة والثبات، أو برفع كُلفة المُغامرة على مَن تخطّوا حاجز الحسابات العقلانية أصلاً.
ويعود سبب الإحجام عن ملء المساحات المفتوحة، إلى أن الآخرين يوّلون ظهورهم للصراع، ولا يريديون أن يكونوا طرفًا فيه، ولا أن يقعوا فى نطقة الرماية الوسيطة بين المُتحاربين، أو أن يُحسَبوا على واحدٍ، ويكونوا أهدافًا مشروعة للثانى.
معركة تُخاض بطُول النَّفَس، وبمنطق الادّخار للزمن للمجهول. وليس القصد أن المُتعارِكَين يرفضان الحسم أو التسوية؛ ولكن أنهما لا يقدران على الكُلفة، ولا يقتنعان بالمُتاح، ويطمعان فيما هو أكبر من قدرتهما على الابتلاع، ويرتعبان مما يتخطّى طاقتهما على الاحتمال والتسويق فى بيئاتهما ولدى الجماهير المشحونة عاطفيا وشعاراتيًّا إلى الذروة.
وهكذا يُقال ما لا يُرَاد، ويُفعَل عكس ما تقتضيه المصلحة الحقيقية. وتتحوّل الاستراتيجية من رفع العوائد وتقليل الأعباء، إلى إبقاء الحسابات مُعلّقة بلا فواتير واضحة، ونقاط الاختلاف ساخنة، وتوظيف كل الأدوات المُتاحة لمُضاعفة الأعباء على الآخرين؛ ولو تطلّب الأمرُ قدرًا أكبر من الضغط والتضحيات الاضطرارية.
طهران تُعيد تفعيل الميليشيات الولائية؛ لإحباط أية محاولات لتقليص نفوذها، والإفشال المبكر لأية ترتيبات إقليمية لا تُوافق هواها أو تتماشى مع مشروعها الامبراطورى المنسوج بحنكة صانع السجاد ودأبه وصبره منذ الثورة الإسلامية قبل خمسة عقود.
أما واشنطن؛ فإنها تنقلب على نفسها، وتحاول تصويب سياساتها بأثر رجعى، عندما فرّطت فى لبنان والشام والعراق، وتركت الملالى يتوسّعون ويُربكون توازنات المنطقة.
وذلك مع مواصلة الخنق البطىء، والتفويت فيما لا يمسّ مصالحها، ولا يحقق التعافى الكامل أيضًا، إذ تتقصّد الإرجاء على التطبيع الكامل، وتُعوّل على فورة داخلية تُقوّض النظام الدينى من داخله، وتُطوّح عن رأس الجمهورية عمامتها السوداء!
ليس أسوأ من التورُّط فى حربٍ لا مُبرر لها؛ إلا أن تذهب إليها بلا استعدادٍ كاف، ومن دون معرفة عدوّك وحدود ما يصل إليه قتالاً وحوارًا، وفى الأوقات العادية أو تحت ضغوط مُكثّفة.
وبعيدًا من أوضاع المنطقة التى ترّدت، وما ينتظرها فى مُقبل الأيام؛ فالمؤكد أن وضعيّة طرفَى الحرب الراهنة أشدّ هشاشة مِمّا كانت عليه، وآيلة لمزيد من الانكشاف، وأنهما يهربان معًا من انتصار أحدهما؛ ليخسرا معًا فى الحال والاستقبال، وربما لعقود طويلة مُقبلة!