خالد دومة يكتب: النفس بين الوهم والحقيقة

الخميس، 13 أغسطس 2026 05:53 م
خالد دومة يكتب: النفس بين الوهم والحقيقة خالد دومة

يبدو أن في داخل كل إنسان عالمًا موازيًا يسير إلى جوار عالم الواقع؛ عالمًا يصوغ فيه الحياة كما يشتهي، ويرى أحلامه تتحقق بالصورة التي يرسمها خياله. في ذلك العالم يصبح الإنسان أكثر قربًا من الصورة المثالية التي يتمناها لنفسه، فيرى ذاته نقيّة، رحيمة، وقادرة على الانتصار على كل شر، مهما كانت أخطاؤه في الواقع.


وحين يخطئ، لا يعترف بسهولة بأن الخطأ نابع منه، بل يرده إلى الظروف أو إلى الآخرين، وكأن ما اقترفه كان استثناءً فرضته الحياة. وفي المقابل، يرسم لخصومه صورة سوداء، فيراهم أعداءً للحقيقة والخير، مدفوعين بالحقد والكراهية، لا يعرفون إلا الظلام، ولا يريدون للنور أن ينتشر.


لكن الحقيقة أن هذا العالم الموازي قد يتحول إلى وسيلة للهروب من مواجهة النفس. فالإنسان قد يخدع نفسه بأنه يبني بينما هو يشارك في الهدم، ويقنعها بأنه يحارب الشر بينما هو يغذيه من حيث لا يشعر. وهكذا يعيش أسير صورة متخيلة عن ذاته، لا تمت بصلة إلى واقعه.


إن أخطر ما يواجه الإنسان ليس عدوه الخارجي، بل عجزه عن رؤية عيوبه. ولو وقف أمام نفسه لحظة صادقة، مجردًا من أوهامه، لأدرك مقدار ما فيها من نقص، ولاكتشف أن إصلاح الذات أولى من إدانة الآخرين. غير أن النفس كثيرًا ما ترفض هذه المواجهة، فتستبدل الحقيقة بصورة زائفة تمنحها شعورًا زائفًا بالكمال.


وهذا الوهم لا يقف عند الأفراد، بل قد يمتد إلى جماعات وشعوب، حين تتبنى رؤية واحدة مشوهة للواقع، فيتعاون أفرادها على تبرير أخطائهم، ويتحول الباطل مع كثرة مؤيديه إلى ما يشبه الحقيقة. ومع ذلك، فإن كثرة الأتباع ليست دليلًا على صحة الفكرة، وإنما قد تكون دليلًا على شيوع الوهم ومع ذلك، فالناس ليسوا سواء. فهم يشتركون في إنسانيتهم، لكنهم يختلفون في طبائعهم، وقدراتهم، واستعدادهم لمراجعة أنفسهم. ولولا هذا الاختلاف لما قامت الحضارات، ولا ازدهرت الفنون، ولا ظهر الإبداع الذي يزين حياة البشر.


إن الجمال الحقيقي يبدأ حين يمتلك الإنسان شجاعة النظر إلى نفسه بعين ناقدة، فيرى الخير والشر معًا، ويعترف بضعفه قبل أن يطالب الآخرين بالكمال. فالحياة لا تزدهر بالأوهام، وإنما بالصدق مع النفس، والعمل الدؤوب على إصلاحها. ولذلك يسعى الإنسان دائمًا إلى بناء صورة أفضل لذاته، لكن النجاح في ذلك لا يتحقق بالتظاهر أو التزييف، ولا بالتقرب إلى أصحاب النفوذ طلبًا للمكانة، وإنما يتحقق بالاجتهاد، وحسن الخلق، والإخلاص في العمل. فالصورة الجديدة التي تستحق أن تُبنى ليست تلك التي يخترعها الخيال، بل تلك التي يصنعها السلوك الصادق.


وفي النهاية، يبقى العالم الموازي الذي يخلقه الإنسان ملاذًا نفسيًا يمنحه بعض العزاء، لكنه لا يغني عن عالم الواقع، حيث تُقاس قيمة الإنسان بما يفعله، لا بما يتخيله عن نفسه. فمن واجه الحقيقة ارتقى، ومن عاش أسير أوهامه ظل يدور في دائرة لا تنتهي من خداع الذات.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة