أحمد المالكى

حين يكسرُك الذنب.. ليعيدك الله إليه

الخميس، 13 أغسطس 2026 02:11 م


الإنسان يذنب، وقد تضعف نفسه في لحظة من اللحظات، فيغلبه هواه أو شهوته أو غضبه، ثم يفيق بعد ذلك فيرى أثر ما فعل في قلبه، فيندم ويستغفر ويحزن على تقصيره، وهذه طبيعة الإنسان التي أخبر عنها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «كل بني آدم خطاء، وخير الخطائين التوابون»، رواه الترمذي وابن ماجه من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه، وليس المقصود أن الذنب أمر محمود، وإنما المقصود أن العبد لا يخلو من التقصير، وأن خير ما يفعله بعد زلته أن يرجع إلى الله، ويعترف بذنبه، ويجدد توبته، ويقطع طريق الإصرار عليه.

وقد فتح الله سبحانه لعباده باب التوبة مهما عظمت ذنوبهم، فقال جل وعلا: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ}[الزمر: 53]، ثم أتبع ذلك بقوله: {وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ} [الزمر: 54]، فالمطلوب ليس أن يقف العبد طويلا أمام صورة ذنبه حتى ييأس، وإنما أن يجعل الذنب باعثا على الإنابة، والاستغفار، وتصحيح الطريق، ولهذا قال سبحانه في وصف أهل التقوى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} [آل عمران: 135].

وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «والذي نفسي بيده، لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم»، وليس المراد من الحديث الحث على الذنوب، ولا الترغيب في اقتراف المعاصي، وإنما فيه بيان لطبيعة البشر، وأنهم يخطئون ويذنبون، وأن الفضل كل الفضل في أن لا يسترسل العبد مع ذنبه، بل إذا زلت قدمه بادر إلى ربه تائبا مستغفرا، ولم يصر على ما فعل؛ فالعبد لا يمدح بمجرد كونه لم يخطئ قط، وإنما بإظهار صدق عبوديته في سرعة رجوعه إلى الله إذا أخطأ، وفي ندمه على زلته، واستغفاره من ذنبه، ومجاهدته لنفسه حتى لا يعود إليه.

ومن هنا يفتح الحديث أمام المذنب بابا عظيما من الرجاء؛ فليس الذنب حكمًا نهائيًا على صاحبه، ولا ينبغي أن يتحول الندم منه إلى قنوط، بل قد تكون الزلة التي أوجعت قلبه سببًا في أن يعرف ربه معرفة أعمق، وأن يكثر من الاستغفار، وأن يشعر بفقره إلى مولاه، وأن يراقب نفسه، وأن يتواضع لعباد الله، وأن يزداد خوفا من التقصير، ورجاء في رحمة الله؛ فالخير ليس في الذنب، وإنما فيما قد ينشأ عنه من توبة صادقة، ولذا قال ابن القيم - رحمه الله تعالى- في مدارج السالكين: «الوجه الخامس: أن الذنب قد يكون أنفع للعبد إذا اقترنت به التوبة من كثير من الطاعات، وهذا معنى قول بعض السلف: قد يعمل العبد الذنب فيدخل به الجنة، ويعمل الطاعة فيدخل بها النار»، ثم بيّن مراده فقال: «يعمل الذنب فلا يزال نصب عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى ذكر ذنبه، فيحدث له انكسارًا، وتوبة، واستغفارًا، وندما، فيكون ذلك سبب نجاته، ويعمل الحسنة فلا تزال نصب عينيه، إن قام وإن قعد وإن مشى، كلما ذكرها أورثته عجبا وكبرا ومنة، فتكون سبب هلاكه».


ثم قال رحمه الله تعالى: «فيكون الذنب موجبا لترتب طاعات وحسنات، ومعاملات قلبية، من خوف الله والحياء منه، والإطراق بين يديه منكسًّا رأسه خجلا، باكيا نادما، مستقيلا ربه»، ثم قال: «وكل واحد من هذه الآثار أنفع للعبد من طاعة توجب له صولة، وكبرا، وازدراء بالناس، ورؤيتهم بعين الاحتقار».


وهنا ينبغي أن نفهم كلام ابن القيم كما أراده، فلا يجوز أن يقال إن المعصية أفضل من الطاعة، ولا أن يتعمد الإنسان الذنب حتى يحصل له الانكسار، وإنما الكلام في آثار الأعمال في القلب؛ فقد يقع العبد في ذنب فيكسره ذنبه، فيتوب ويستغفر ويعرف قدر نفسه ويزداد افتقارا إلى الله، وقد يعمل آخر طاعة فيعجب بها، ويرى لنفسه فضلا، ويحتقر بها عباد الله، فالأول انتفع بتوبته من ذنبه، والثاني أفسدت آفة العجب عليه ثمرة طاعته.

وهنا يحسن أن نقف مع كلام أبي حامد الغزالي رحمه الله تعالى في بيان العجب، فقد قال: «وله حالة ثالثة هي: العجب، وهي أن يكون غير خائف عليه، بل يكون فرحا به مطمئنا إليه، ويكون فرحه به من حيث إنه كمال ونعمة وخير ورفعة، لا من حيث إنه عطية من الله تعالى ونعمة منه، فيكون فرحه من حيث إنه صفته ومنسوب إليه بأنه له، لا من حيث إنه منسوب إلى الله تعالى بأنه منه، فمهما غلب على قلبه أنه نعمة من الله مهما شاء سلبها عنه، زال العجب بذلك عن نفسه».
ثم قال رحمه الله تعالى: «فإذن العجب هو استعظام النعمة والركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم».

وما أعمق هذا الكلام؛ فالعبد قد يفرح بطاعته، وليس كل فرح بالطاعة مذموما، وإنما الخطر أن يفرح بها من جهة نفسه، فينسى أن الله هو الذي هداه إليها، وهو الذي أعانه عليها، وهو الذي فتح له بابها، وأنه لو وكله إلى نفسه ما استطاع أن يثبت على طاعة، فإذا رأى الإنسان صلاته وصيامه وقيامه وعلمه وصدقته بعين نفسه، ونسي فضل الله عليه، بدأ العجب يتسلل إلى قلبه، أما إذا رأى الطاعة نعمة من الله، وفرح بتوفيقه، وخاف أن يسلبها منه، بقي قلبه مفتقرًا إلى ربه، ولهذا فإن بعض الناس قد يكون كثير الطاعة، لكنه قليل الانكسار، يرى نفسه خيرًا من غيره، ويحتقر المقصرين، وربما صار يطلب من الناس أن يعظموه بسبب ما عنده من علم أو عبادة، وهذا من أخطر ما يصيب القلب، لأن الطاعة التي كان ينبغي أن تقوده إلى التواضع قد صارت سببا في الاستعلاء، وهنا يكون العبد محتاجا إلى أن يحاسب قلبه كما يحاسب عمله، وأن يسأل نفسه بعد كل طاعة: هل زادتني هذه الطاعة قربا من الله، أم زادتني إعجابا بنفسي؟ وقد قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ} [المؤمنون: 60]، ولما سألت أمّنا أمّ المؤمنين عائشة رضي الله عنها النبي صلى الله عليه وسلم عن هؤلاء، أهم الذين يشربون الخمر ويسرقون؟ قال: «أَهُمُ الَّذينَ يشربونَ الخمرَ ويسرِقونَ قالَ لا يا بنتَ الصِّدِّيقِ ، ولَكِنَّهمُ الَّذينَ يصومونَ ويصلُّونَ ويتصدَّقونَ ، وَهُم يخافونَ أن لا تُقبَلَ منهُم أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ»، رواه الترمذي وابن ماجه، فهؤلاء أهل طاعة، ومع ذلك قلوبهم وجلة، يخافون ألا يقبل منهم، فلا يغترون بأعمالهم ولا يأمنون على قلوبهم.

ومن هنا نفهم معنى الانكسار الذي ذكره ابن القيم؛ فالانكسار لله ليس أن يحتقر الإنسان نفسه، وليس أن يعيش يائسا، وإنما أن يعرف العبد قدر نفسه، ويعرف عظمة ربه، ويعلم أنه محتاج إلى الله في كل شيء، فإذا أذنب قال: يا رب اغفر لي، وإذا أطاع قال: يا رب تقبل مني، وإذا وُفِّق إلى خير قال: هذا من فضلك، وإذا رأى من نفسه تقصيرًا بادر إلى إصلاحه، فلا الذنب يجعله قانطا، ولا الطاعة تجعله مغرورًا، وربما كانت الزلة التي أبكتك يوما هي التي علمتك معنى الاستغفار، وربما كان الذنب الذي أوجع قلبك هو الذي جعلك أكثر خوفا من الله، وأشد مراقبة لنفسك، وأكثر رحمة بالمذنبين، وأقل احتقارا لعباد الله، وهذا هو الموضع الذي ينبغي أن نفهم فيه كلام ابن القيم؛ فالخير ليس في الذنب نفسه، وإنما في التوبة الصادقة التي قد تأتي بعده، وفي الانكسار الذي يعقبه، وفي الإصلاح الذي يترتب عليه، وقد قال الله تعالى: {إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [الفرقان: 70]، فليست الآية دعوة إلى السيئة، وإنما بيان لسعة رحمة الله بمن تاب وآمن وأصلح، حتى إن ماضيه الذي يؤلمه يمكن أن يصبح جزءا من قصة توبته ورجوعه إلى الله.

فإذا أذنبت، فلا تهرب من الله، بل اهرب من ذنبك إلى الله؛ لا تقل: كيف أعود وأنا الذي فعلت؟ عد، ولا تقل: كثرت ذنوبي فلا فائدة من التوبة، تب، ولا تقل: سأذنب ثم أتوب، فتجعل حلم الله عليك سببا للجرأة عليه، وإنما خف الذنب قبل وقوعه، فإذا زللت فبادر إلى التوبة، واستغفر، وأصلح، ورد الحقوق إلى أصحابها إن تعلق الذنب بحقوق العباد، واعزم على ألا تعود، وإذا أطعت فلا تعجب بنفسك، ولا تجعل صلاتك وقيامك وعلمك وصدقتك سببا لاحتقار غيرك، بل انظر إلى فضل الله عليك، وقل في قلبك: لولا الله ما اهتديت، ولولا توفيقه ما أطعت، ولولا ستره عليّ ما سلمت، واسأله القبول والثبات، فكلما ازدادت طاعتك فلتزدد افتقارا، وكلما ازددت علما فلتزدد تواضعا، وكلما رأيت من نفسك خيرا فخف على نفسك من العجب، فإن القلوب بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء.

فيا من أوجعك ذنبك، لا تجعل الألم بابًا لليأس، اجعله بابًا للتوبة؛ ويا من وُفّقت إلى الطاعة، لا تجعل الطاعة بابًا للعجب، اجعلها بابًا للشكر؛ ويا من رأيت من نفسك تقصيرًا، لا تحتقر نفسك، بل أصلحها؛ ويا من رأيت من أخيك ذنبًا، لا تنظر إليه بعين الاستعلاء، فلعل توبته بعد ذنبه ترفعه عند الله، ولعل عجبك بطاعتك يهوي بك إن لم تتدارك قلبك.
اللهم لا تجعل ذنوبنا سببًا للقنوط منك، ولا تجعل طاعاتنا سببًا للعجب بأنفسنا، اللهم إذا زللنا فردنا إليك، وإذا تبنا فاقبلنا، وإذا أطعناك فاحفظ قلوبنا من الكبر، وإذا أنعمت علينا فلا تجعلنا ننسى المنعم، اللهم ارزقنا قلوبًا منكسرة بين يديك، خائفة منك، راجية لرحمتك، عارفة بفضلك، لا نرى لأنفسنا فضلا، ولا نأمن على أنفسنا الفتنة، واجعلنا من التوابين، ومن المستغفرين، ومن الذين إذا أذنبوا رجعوا، وإذا أطاعوا خافوا ألا يقبل منهم، حتى نلقاك وأنت راض عنا يا رب العالمين.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة