يمثل التعليم الأزهري قبل الجامعي أحد روافد قاطرة النهضة؛ إذ تنهض مؤسساته بتقديم خبرات نوعية تجمع بين أصالة المعرفة وحديثها وصور التفرد المهاري، التي تترجمها الممارسة المتقنة دقة وسرعة وتكاملًا مع المعارف والمهارات؛ بغية تشكيل وجدانيات تتغذى على نبل القيم والخلق القويم، وتغرس الميول العلمية والاتجاهات الإيجابية نحو العلم وحملة رسالته السامية، ويأتي قرار تطبيق نظام البكالوريا مع بداية هذا العام الدراسي ليعزز هذا البناء القويم، ويدعم مسيرة التطوير بما يوطد أركان الولاء والانتماء المؤسسي في قلوب أبنائنا الطلاب وعقولهم.
يضطلع التعليم الثانوي الأزهري بمهمة بناء شخصية واعية قادرة على اتخاذ القرار السليم في توقيته المناسب، ضمن منظومة تربوية غائية تتمظهر عبر أروقة المؤسسة التعليمية، التي ترفد العقول بأنشطة تفاعلية تخاطب وجدان المتعلم وترتقي بمداركه؛ لتنعكس مخرجات ذلك على كفاءة التعامل مع المعطيات وتحليل المعلومات توظيفاً سلساً لتجاوز العقبات ومعالجة النوازل المعروضة، وبذلك تتبوأ منظومتنا التعليمية الأزهرية مكانة ريادية تضاهي سرعة التحولات المعرفية والتقنية.
المؤسسات التعليمية الأزهرية قبل الجامعية مع بدء تطبيق نظام البكالوريا في مطلع هذا العام الدراسي تستهدف بناء بشر واعين يفقهون مراتب الأولويات ويمتلكون أدوات تفكير منهجية، تعينهم على مجابهة المشكلات وفق آليات علمية راسخة ترتكز على البحث وتحليل البيانات استقراء واستنتاج واستقصاء، وتستند إلى رؤية معيارية تعتمد على مخرجاتها في معالجة القضايا المعاصرة، وصياغة سيناريوهات مستقبلية دقيقة تكفل الاستعداد التام لمواجهة المتغيرات، بأداءات وظيفية فاعلة تستهدف تحقيق الغايات المنشودة على المديين القريب والبعيد.
تقوم فلسفة البكالوريا في المرحلة الثانوية الأزهرية على إكساب المتعلم تفردًا مهاريًا تطلبه وتلتمسه مجالات سوق العمل النوعية، وهذا يؤكد المواكبة الدقيقة للمتغيرات المتسارعة التي تمس المناهج الدراسية وعناصرها لضمان تناغم برامج الإعداد المرنة مع حداثة ساحات العمل وتنوعاتها، وهو ما يدعونا إلى تثمين الجهود البناءة الرامية إلى تطوير منظومتنا التعليمية نحو أفق أرحب، من أجل مواجهة التحديات الجمة في شتى ميادين الحياة العلمية والعملية والمعيشية.
يمثل النظام التعليمي للبكالوريا في المرحلة الثانوية الأزهرية خطوة تطويرية واعدة تفوق في ملامحها الأطر السائدة؛ حيث تبدأ مرحلة التمهيد بدور كاشف يتيح للطالب استكشاف مكمن قدراته وميوله نحو التخصص الأحب إلى نفسه، والعلوم التي ينشدهغفًا وتعمقًا؛ لتتضح لديه ملامح احتياجاته المعرفية، ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يتسع ليشمل مراعاة الأساليب التفكيرية المفضلة لكل طالب سواء أكانت تركيبية، أم عملية، أم تحليلية، أم مثالية؛ ليقع اختيار المواد التخصصية تبعا لذلك على أسس منهجية دقيقة تتقاطع مع طبيعة تفكيره وتضمن فاعلية تحصيله، وبالأحرى اكتساب الخبرات التعليمية المربية.
نظام البكالوريا المتميز يساهم في أن ينهض النظام التعليمي في المرحلة الثانوية الأزهرية تجاه مخاطبة العقل، وقدح الذهن، عبر أنشطته التعليمية، مراعيًا الفروق الفردية وعاضدًا ثمار الإتقان، ومنتبهًا لترقية الوجدان؛ ومن ثم يصير ضرورة حتمية لخلق مناخ داعم يحقق غاياته الكبرى؛ لنبلغ بذلك جاهزية حقيقية في بناء إنسان يمتلك مقومات الصحة الشاملة مستندًا إلى وعي قويم وثقة راسخة بالأحاسيس، وممارسة للتخيل الذي ينفتح عبر بواباته على آفاق الرحابة والإبداع والابتكار.
يعقد التعليم الثانوي الأزهري آمالًا واعدة على هذا النظام المستحدث؛ لجني ثمرات فواحة عبر مقرراته وأنشطته الرامية إلى الارتقاء بوعي الطلاب وتحفيز مداركهم، ويتطلب بلوغ هذه الغايات إدراكًا قويمًا لأهداف استراتيجية بعيدة المدى وقريبة النطاق، مما يحتم خوض غمار التجربة والتطوير لمعاينة ثمارها اليافعة، التي تمكن الطلاب من خبرات تربوية راسخة، تدفعهم نحو مواصلة مسيرة التعلم في المراحل اللاحقة وتأهيلهم لمتطلبات سوق العمل المعاصر ولا سيما التسلح بمهارات القرن الحادي والعشرين بملامحها المتجددة.