- عندما حمت أجساد المصريين دور العبادة: التوثيق الكامل لشهادات الكهنة وجهود القوات المسلحة في ترميم التاريخ
فى منتصف أغسطس عام 2013، لم تكن مصر تخوض معركة ضد الإرهاب في الشوارع والميادين فحسب، بل كانت تخوض اختباراً مصيرياً لسبيكتها الوطنية الممتدة عبر آلاف السنين، فمع سقوط دولة الجماعة وتطويق مخططات الفتنة، اتجهت يد الإرهاب الممنهج إلى ضرب العمود الفقري للوطن عبر استهداف أقدم دور العبادة المسيحية في الشرق، لم يكن الاستهداف عشوائياً، بل كان يهدف بالأساس إلى إشعال حرب أهلية طائفية تأكل الأخضر واليابس وتشق الصف الوطني. ولكن، بين رماد الدور المحترقة وركام الجدران الأثرية، انبعثت ملحمة إنسانية ووطنية غير مسبوقة، سجل فيها الشعب المصري -بمسلميه ومسيحييه- أنقى صفحات الفداء والجوار.
رصد الوقائع وشهادات حية من قلب الركام
وشهدت محافظات الصعيد والدلتا والقناة هجمة بربرية طالت أكثر من 60 كنيسة ومؤسسة قبطية عقب فض اعتصامي رابعة والنهضة، حيث تحولت بعض الكنائس التاريخية التي تعود لقرون مضت إلى أطلال سوداء في محاولة بائسة لجر الدولة إلى مربع الفوضى.
وكان هناك موجة من الهجمات المتزامنة على الكنائس وممتلكات الأقباط في 17 محافظة، في مشهد عكس حجم العنف الذي استهدف المواطنين ودور العبادة. ووفقًا لما تم رصده، بلغ عدد الاعتداءات 402 واقعة طالت الكنائس والمدارس والمنازل والمحلات التجارية المملوكة لأقباط.
المنيا فى صدارة المحافظات المتضررة
وجاءت محافظة المنيا في مقدمة المحافظات الأكثر تعرضًا لهذه الاعتداءات، بإجمالي 281 حالة، ما جعلها الأكثر تضررًا من موجة العنف التي اجتاحت البلاد آنذاك.
وشملت الاعتداءات إحراق وتخريب عشرات الكنائس، إلى جانب سرقة محتويات 12 كنيسة، فضلًا عن تدمير مبانٍ خدمية ومؤسسات تعليمية واجتماعية مرتبطة بالكنائس. كما سقط عدد من الأقباط ضحايا لهذه الأعمال الإرهابية التي استهدفت بث الخوف وزعزعة الاستقرار.
شهادة توثيقية للمطران منير حنا
وفي شهادة توثيقية خاصة، لليوم السابع يستعيد المطران الدكتور منير حنا، رئيس أساقفة إقليم القدس والشرق الأوسط للكنيسة الأسقفية سابقاً وعضو بيت العائلة المصرية، ذاكرة تلك الأيام قائلاً:
وفى عام 2012 وأوائل عام 2013 كان الشارع المصرى يعيش انقساماً حاداً بين فصيل حاول الهيمنة على مقدرات الدولة وتغيير هوية الوطن بالقوة، وبين أثواب أمة كاملة تمسكت بهويتها التراكمية. ورغم مبادرة وزير الدفاع وقتها لفتح باب الحوار الوطني لإنقاذ البلاد، إلا أننا فوجئنا بالرفض والعناد المطلق من قبل جماعة الإخوان. وسط هذا الانغلاق، تنفس الشعب الصعداء في 30 يونيو و3 يوليو، وكان الجيش المصري يتواجد في الميدان كدرع حصين يذود عن مقدرات الأمة."
وحول حريق الكنائس، يضيف المطران منير حنا: "ذهبت لزيارة كنيسة 'الراعي الصالح' بالسويس عقب تعرضها للهجوم، ووقفت في صحن الكنيسة متألماً لحجم الدمار الذي أحدثته زجاجات الملاطوف، لكن الاستجابة الفورية من القوات المسلحة جاءت بحسم لحمايتها. كما انتدبني بيت العائلة برفقة علماء الأزهر لتقصي الحقائق في كنيسة العذراء مريم بإمبابة، وجلسنا وسط الأكوام المحروقة، وكانت الملحمة الإنسانية الأبرز أن جيران الكنيسة من المسلمين لم ينتظروا وصول سيارات الإطفاء، بل اقتحموا النيران وأطفأوا الحريق بأنفسهم لحماية دور عبادة إخوتهم."

حديث المطران منير
حراس العقيدة.. الملحمة الشعبية وسياج الجوار
ولم تكن حماية الكنائس مجرد توجيهات أمنية، بل كانت دفقة عاطفية وإنسانية تلقائية من الشارع المصرى، فى السويس والمنيا وإمبابة والقاهرة، شكل المواطنون المسلمون دروعاً بشرية حول الكنائس ومنازل أخوتهم المسيحيين.
وفي هذا السياق، يروي الأب أنطونيوس عزيز، كاهن كنيسة العذراء مريم والأنبا شنودة بمنطقة السلام، تفاصيل الملحمة الشعبية فى تصريحات خاصة لليوم السابع قائلاً:
"سيُمت كاهناً في عام 2012، وكانت تلك السنة بداية لمرحلة من أصعب ما مر على تاريخ مصر الحديث؛ حيث ساد الفزع والبلطجة ومحاولات السيطرة على مفاصل الدولة من قبل الجماعة. ونشكر الله الذي قَصَّر تلك الأيام ليكون عمرها سنة واحدة فقط."
ويكمل الأب أنطونيوس مشهداً إنسانياً خالداً: "في أوج مشاعر العنف عام 2013، لم نكن وحدنا في المواجهة؛ بل رأينا مشاهد إنسانية تستحق التوثيق؛ حيث جاء الجيران من المسلمين والمسيحيين جنباً إلى جنب لدفع الخطر عن الكنيسة. لن أنسى منظر السيدات المحجبات اللاتي حرصن على الوقوف أمام أبواب الكنيسة لحمايتها بصلابة ضد العنف. كان جيراننا المسلمون يرددون بثبات: 'هذه دور عبادة مثل المساجد تماماً، ولو تعرضت المساجد لعدوان لكان إخوتنا المسيحيون هم أول من يدافع عنها'. هذه هي التربية المصرية الأصيلة التي نشأنا عليها."
حكمة القيادة الروحية.. قراءة في التصريح التاريخي
ولم تكن المواجهة ضد محاولات إشعال الفتنة الطائفية تدار بالسلاح أو الحماية الميدانية فحسب، بل كانت تحتاج إلى عبقرية روحيّة ووطنية تسحب البساط كلياً من أيدي القوى الدولية والإقليمية التي كانت تتربص بمصر وتراهن على استغلال ورقة استهداف الأقليات لتبرير التدخل في شؤونها.
وفي أوج النيران المشتعلة، جاءت كلمات قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، كصفعة قوية أجهضت المخطط في مهدها حين أطلق مقولته الخالدة: "وطن بلا كنائس أفضل من كنائس بلا وطن"، متبعاً إياها بعبارته الوطنية الشجاعة: "إن أحرقوا الكنائس سنصلي مع إخوتنا المسلمين في المساجد، وإن أحرقوا المساجد سنصلي جميعاً في الشوارع".
ويوضح الأب أنطونيوس عزيز العمق التاريخي لهذه الرؤية قائلاً: "إن تصريح قداسة البابا تواضروس الخالد كان امتداداً عميقاً لمقولة قداسة البابا شنودة الثالث ('مصر ليست وطناً نعيش فيه بل وطن يعيش فينا'). لقد أرسخ قداسة البابا بحكمته ووطنيته الشديدة روح الانتماء لدى شعب الكنيسة في وقت عصيب، ونحن بدورنا ننقل هذه القيم للأجيال الجديدة لنعلمهم أن حماية التراب الوطني تقدم على أي شيء آخر."
لقد تحولت كلمات القيادة الروحية إلى منهج عمل؛ حيث رفضت الكنيسة المصرية بصورة قاطعة كل الدعوات المشبوهة لـ "تدويل الأزمة" أو المطالبة بالحماية الأجنبية، ومؤكدة أن الجرح قبطي لكن الضماد مصري خالص.
ويستعيد المطران منير حنا هذه المرحلة قائلاً: "كان هناك تأكيد وثقة مطلقة في قيادات الدولة والقوات المسلحة أن الكنائس سيعاد إعمارها. وقد تجلت دولة المؤسسات في الوفاء بتعهداتها، ليعود البناء أبهى مما كان."
رسالة للمستقبل.. أمة تصنع حاضراً قائم على دولة القانون
يقف التاريخ عند صيف 2013 ليُسجّل واحدة من أهم اللحظات المضيئة في تاريخ مصر الحديث؛ لحظة تحوّل فيها مخطط الهدم والتفتيت إلى حجر أساس لترسيخ دولة المواطنة الحقيقية. لم تكن المعركة مجرد حماية لجدران أو حجر، بل كانت دفاعاً عن الروح المصرية التراكمية التي تتكسر على صخرتها كل المراهنات الطائفية.
ويختتم الأب أنطونيوس عزيز التقرير بمقارنة توثيقية تجسد العبور الوطنى:
"بين عام 2013 واليوم، هناك فارق شاسع؛ فبعد سنوات الخوف والقلق، نعيش اليوم في ظل دولة المؤسسات والقانون والمواطنة الحقيقية. ولو استمر المشهد على ما كان عليه في 2012 لكنا أسياراً لـ 'دولة الجماعة'، لكن مصر أثبتت أنها عصية على الانكسار وترفض أن تكون إلا دولة لكل أبنائها."
إن ملف الكنائس المصرية في 2013 يظل وثيقة حية تعلّم الأجيال القادمة أن سياج الوطن يكمن في تلاحم أهله، وأن أجساد المصريين المسلمين التي حمت المذابح، وحكمة القيادة الكنسية التي قدمت الوطن على المبنى، وهندسة الدولة التي رممت ما احترق، ستبقى أركاناً ثلاثية لحماية الهوية المصرية الخالدة.
كيف حوّلت الدولة سواعد الترميم إلى رسالة مواطنة ؟
ولم تكن عملية إعادة إعمار الكنائس المصرية المتضررة جراء الإرهاب مجرد مشروع هندسي لرفع الرماد وصَبّ الخرسانات، بل كانت قراراً سياسياً ووطنياً حاسماً باستعادة كرامة الدولة وترسيخ مفهوم المواطنة الحقيقية. أدركت القيادة السياسية المصرية عقب أحداث 2013 وما تلاها أن ترك نسيج العمران القبطي مدمراً يمثل جرحاً حياً في ذاكرة الأمة، فجاء القرار واضحاً ومباشراً: "ترميم وإعادة بناء كل دور العبادة المتضررة، وتأدية الصلوات فيها، بأيدي أجهزة الدولة الرسمية وبأعلى مستوى أثري وهندسي".
وتولّت الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، بالتنسيق مع الكنيسة المصرية ووزارة الآثار، إدارة ملف معقد وشامل لحصر الكنائس والمنشآت المتضررة في المحافظات، والتي تجاوزت 80 منشأة كنسية وخدمية.
نموذج الكنيسة البطرسية: معجزة الـ 18 يوماً
وتظل "الكنيسة البطرسية" بالعباسية الشاهد الأبرز على سرعة الاستجابة والدقة الهندسية الشديدة للدولة المصرية. فعقب الاستهداف الإرهابي الغاشم الذي طال الكنيسة في 11 ديسمبر 2016 أثناء أداء صلاة القداس، حيث أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي تكليفاً فورياً للهيئة الهندسية بإعادة الكنيسة لسابق عهدها قبل احتفالات عيد الميلاد المجيد في يناير 2017.
تحدي الزمن والقيمة التاريخية
وكانت الكنيسة البطرسية التي بنيت عام 1911 وتضم لوحات زيتية وفسيفساء نادرة إيطالية الصنع تعاني من دمار شامل فى السقف الخشبي واللوحات والجدران الرخامية.
وعملت الأطقم الهندسية وخبراء الترميم في سباق مع الزمن وعلى مدار 24 ساعة يومياً، حيث تم استبدال الهياكل الخشبية المتهدمة بأخرى مطابقة للأصل، وترميم الجداريات الأثرية بدقة متناهية.
تم إنجاز عملية الترميم والتأهيل بالكامل في زمن قياسي لم يتجاوز 18 يوماً فقط، أي يوم 29 ديسمبر ليتصاعد منها صوت الصلوات فى ليلة عيد الميلاد، كرسالة صريحة بأن يد البناء أسرع وأقوى من يد الدمار.
البُعد الأثري والهندسي: جراح التاريخ التي التأمت بدقة المتاحف
ولم تقتصر جهود الهيئة الهندسية وخبراء الترميم على إصلاح المباني الخرسانية والجدران فحسب، بل امتدت لتشمل "الذاكرة الفنية والتاريخية" للكنائس الأثرية التي تحمل قيمة معمارية لا تُقدر بثمن.
معايير دقيقة في معالجة الآثار:
الأيقونات واللوحات الزيتية: تعامل مرممو وزارة الآثار والقوات المسلحة بحرفية فائقة مع الأيقونات القبطية واللوحات الفسيفسائية المتضررة نتيجة الدخان والسخام، مستخدمين تقنيات تنظيف كيميائي ويدوي حديثة لإعادة الألوان والملامح الأصلية دون إحداث أي تغيير تاريخي.
الأخشاب المزخرفة والقباب: في الكنائس التاريخية التي تعرضت للحرق، أُعيد تصنيع الأسقف الخشبية المنقوشة والمنبر والأيقونسطاس (حجاب المذبح) بذات الطراز المعماري القديم، استناداً إلى الرسومات الهندسية والصور الأرشيفية القديمة، لتخرج الكنيسة كأنها لم تمسها يد الغدر.
من الترميم الطارئ إلى تشييد الصروح
ولم تتوقف ملحمة البناء عند حدود إعادة ما دمره الإرهاب، بل تحولت إلى استراتيجية وطنية شاملة لترسيخ حرية العبادة والمواطنة. فتوجيهات الدولة بإنشاء دور العبادة في المدن الجديدة – وفي مقدمتها "كاتدرائية ميلاد المسيح" بالعاصمة الإدارية الجديدة كأكبر كنيسة في الشرق الأوسط – إلى جانب صدور قانون بناء وترميم الكنائس الذي نجح في تقنين أوضاع آلاف الكنائس والمباني الخدمية، أسدلت الستار نهائياً على عقود من التوتر البيروقراطي والطائفي.

عدد اليوم السابع