أكد الشيخ خالد الجندي، عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، أن قاعدة أخف الضررين وأعلى المصلحتين تعد من القواعد المهمة في الفقه الإسلامي، موضحا أن المسلم إذا عرضت عليه مصلحتان يختار الأعلى والأنسب، وإذا واجه ضررين يختار الضرر الأقل، بشرط أن يكون مدركا بصورة واضحة للضرر الأكبر.
وأوضح خلال تقديمه برنامج لعلهم يفقهون المذاع عبر قناة DMC، أن قصة سيدنا موسى وسيدنا الخضر عليهما السلام في سورة الكهف توضح هذا المعنى، لافتا إلى أن خرق السفينة كان ظاهره ضررا، لكنه كان في حقيقة الأمر وسيلة لدفع ضرر أكبر يتمثل في الاستيلاء على السفينة.
قاعدة أخف الضررين في الفقه الإسلامي
وأشار خالد الجندي إلى أن اختيار أخف الضررين لا يمكن أن يقوم على مجرد التخمين، وإنما يحتاج إلى معرفة حقيقية بالضرر الأكبر المتوقع، موضحا أن الإنسان قد يواجه في حياته مواقف يضطر فيها إلى اختيار ضرر أقل لتجنب ضرر أشد.
وضرب مثالا بالطبيب الذي يوازن بين مخاطر تدخل جراحي لعلاج ورم وبين استمرار المرض وما قد يترتب عليه من أضرار أكبر، وكذلك القائد العسكري الذي يدرس الخيارات المتاحة لمنع وقوع خسائر أو فقدان موقع استراتيجي.
وأكد أن القاعدة الفقهية تقوم على مبدأ واضح، وهو اختيار المصلحة الأعلى عند المفاضلة بين المصالح، واختيار الضرر الأقل عند المفاضلة بين الأضرار.
قصة موسى والخضر توضح المعنى
وتناول الجندي خلال الحلقة موقف سيدنا موسى عليه السلام من خرق السفينة، موضحا أن سيدنا الخضر تعامل معه بأدب بالغ عندما قال له: ألم أقل إنك لن تستطيع معي صبرا، مشيرا إلى أن الخضر نسب القول إلى نفسه ولم يواجه موسى بأنه أخلف وعده.
وأوضح أن قصة السفينة تكشف كيفية الموازنة بين ضررين، حيث كان إحداث عيب في السفينة ضررا أقل من فقدانها بالكامل، وهو ما جعل الفعل في سياقه الخاص وسيلة لدفع الضرر الأكبر.
اختلاف شريعة موسى عن مهمة الخضر
ولفت الجندي إلى أن موقف سيدنا موسى من قتل الغلام يختلف عن موقفه من خرق السفينة، موضحا أن موسى لم يعاون الخضر في تنفيذ القتل لأن ذلك كان مخالفا للشريعة التي جاء بها موسى عليه السلام.
وأضاف أن قصة موسى والخضر تضمنت لقاء بين الشريعة والوحي، مشيرا إلى أن الوحي في عهد الأنبياء كان قادرا على توجيه الأحكام وتعديل ما سبقها وفقا لما يقتضيه التكليف الإلهي.
واستشهد الجندي بتغيير القبلة في عهد النبي محمد صلى الله عليه وسلم، موضحا أن المسلمين كانوا يتجهون في صلاتهم إلى المسجد الأقصى، ثم نزل الوحي بتوجيه القبلة إلى المسجد الحرام.
الشرع لا يتغير
وشدد عضو المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية على أن انتهاء عصر الوحي بانتقال النبي صلى الله عليه وسلم إلى الرفيق الأعلى يعني عدم وجود سلطة بشرية لتغيير أحكام الشريعة أو تعديلها.
وأوضح أن ما يمكن أن يتغير هو كيفية تطبيق الحكم الشرعي على الوقائع والظروف المختلفة، وهو ما يدخل في إطار الفقه وفهم الواقع، وليس تغييرا في أصل التشريع.
واستشهد بموقف سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه بشأن المؤلفة قلوبهم، موضحا أن عمر لم يغير الشريعة، وإنما فهم الحكم الشرعي وطبقه وفقا للظروف القائمة في عصره.
اكتمال الدين لا يسمح بتغيير أحكامه
وأكد خالد الجندي أن أحكام الدين اكتملت، مستشهدا بقول الله تعالى: اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا، موضحا أن تغيير حكم شرعي أو حذفه أو تعطيله بصورة تخالف أصول الشريعة لا يعد تطويرا للدين، وإنما يؤدي إلى إنقاص ما اكتمل.
وأوضح في الوقت نفسه أن الفقه يراعي أحوال المكلفين عند تطبيق الأحكام، مستشهدا بحكم الصيام بالنسبة للمريض والمسافر، حيث شرع الله لهما الفطر والقضاء في وقت لاحق.
أكد الجندي على أن الشريعة نفسها تراعي شروط المكلف وظروفه، وأن الفقه الصحيح لا يعني تغيير الأحكام، وإنما فهمها وتنزيلها على الواقع وفقا للضوابط الشرعية.