هناك فارق كبير بين أن نتحدث عن الشباب، وأن نتيح لهم مساحة حقيقية يتحدثون فيها ويُسمع صوتهم. والفارِق أكبر بين أن نطلب من الشباب أن يكونوا جزءًا من المستقبل، وبين أن نمنحهم أدوات حقيقية للمشاركة في صناعته.
من هنا أرى أن توجيه الرئيس عبد الفتاح السيسي، بمناسبة اليوم العالمي للشباب، بإطلاق منصة وطنية تفاعلية للشباب تحت رعايته، لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره مجرد إضافة جديدة إلى قائمة المنصات الإلكترونية، وإنما باعتباره خطوة تستحق التوقف أمامها؛ لأنها تفتح بابًا جديدًا أمام أفكار الشباب ومبادراتهم، وتطرح في الوقت نفسه سؤالًا أكثر أهمية من قرار الإطلاق نفسه: ماذا سيحدث للفكرة بعد أن يكتبها صاحبها ويرسلها؟
الرئيس أكد في رسالته أن شباب مصر هم قوة الوطن وصُنّاع مستقبله، وأن أفكارهم وإبداعاتهم ومشاركاتهم الفاعلة تمثل ركيزة أساسية في مسيرة البناء والتنمية. والتوجيه للأكاديمية الوطنية للتدريب ووزارة الشباب والرياضة والجهات المعنية بإطلاق منصة تفاعلية يضع هذه الفكرة في إطار عملي، وليس مجرد احتفال رمزي باليوم العالمي للشباب.
وهنا تكمن أهمية الخطوة.
فمصر خلال السنوات الماضية لم تبدأ اليوم في الحديث مع شبابها. كانت هناك المؤتمرات الوطنية للشباب، ومنتدى شباب العالم، والأكاديمية الوطنية للتدريب، وبرامج تأهيل الشباب للقيادة، إلى جانب مسارات أخرى للتدريب والمشاركة. وقد مثلت هذه التجارب محاولات لبناء جسور مباشرة بين الدولة وقطاع واسع من شبابها.
لكن الجديد في المنصة المقترحة هو محاولة الانتقال من المناسبات والفعاليات المحددة زمنياً إلى قناة تفاعلية مستمرة يمكن للشاب من خلالها أن يطرح فكرة أو مبادرة في أي وقت.
وهذا، في تقديري، هو المعنى الأهم في القرار.
الشاب الذي لديه فكرة لمشكلة في قريته، أو مبادرة لخدمة مجتمعه، أو تصور لمشروع يمكن أن يوفر فرصًا للعمل، لا يحتاج فقط إلى من يسمعه. هو يحتاج إلى أن يعرف: من سيفحص فكرته؟ ومتى سيحصل على رد؟ وإذا كانت الفكرة جيدة، فمن سيساعده على تحويلها إلى واقع؟
هذه الأسئلة هي التي ستحدد، في النهاية، قيمة المنصة.
والتفاعل الأول مع التوجيه الرئاسي يكشف أن الاهتمام لم يتوقف عند الترحيب بإطلاق المنصة، وإنما امتد إلى فكرة أعمق تتعلق بتحويل الشباب من متلقين للدعم إلى شركاء في صناعة الحلول. وهذا الاتجاه ظهر في بعض ردود الفعل المنشورة عقب الإعلان، التي ركزت على المشاركة وصناعة الحلول والاستفادة من طاقات الشباب.
ومن هنا أعتقد أن أمام القائمين على المنصة فرصة مهمة لتجنب خطأ تقع فيه كثير من المبادرات الرقمية: أن تتحول المنصة إلى صندوق إلكتروني كبير لتلقي الرسائل.
النجاح الحقيقي سيكون عندما يعرف الشاب ماذا حدث لفكرته.
هل وصلت إلى مرحلة التقييم؟
هل رُفضت؟ ولماذا؟
هل تحتاج إلى تطوير؟
هل أُحيلت إلى وزارة أو محافظة أو مؤسسة أهلية؟
هل هناك جهة ستساعد صاحبها على تنفيذها؟
وهل يستطيع الشاب نفسه متابعة هذه الرحلة؟
هذه التفاصيل قد تبدو إجرائية، لكنها في الحقيقة هي التي تصنع الثقة.
وأتصور كذلك أن نجاح المنصة يحتاج إلى قدر من الشفافية في النتائج. فليس المطلوب أن تُقبل كل الأفكار، فهذا غير منطقي، وإنما أن تكون هناك معايير واضحة للاختيار، وأن يعرف الشباب أن الفكرة الجادة لن تضيع وسط آلاف المشاركات.
وربما يكون من المفيد أن تنشر المنصة بصورة دورية أرقامًا واضحة: كم فكرة استقبلت؟ كم فكرة دخلت مرحلة الدراسة؟ كم مبادرة حصلت على دعم؟ وما المحافظات التي جاءت منها هذه الأفكار؟
عندها لن تكون المنصة مجرد واجهة إلكترونية، وإنما ستتحول إلى مؤشر حي على اتجاهات الشباب واهتماماتهم واحتياجاتهم.
وهنا تظهر نقطة أخرى لا تقل أهمية، وهي العدالة في الوصول.
فمصر ليست القاهرة فقط، ولا الجامعات الكبرى فقط، ولا الشباب الأكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا. هناك شباب في القرى، والمحافظات الحدودية، والصعيد، والدلتا، وشباب لديهم أفكار ممتازة ولكنهم لا يمتلكون بالضرورة العلاقات أو الأدوات التي تمكنهم من الوصول إلى المؤسسات.
إذا نجحت المنصة في الوصول إلى هؤلاء، فستكون قد حققت قيمة إضافية لا تقل عن قيمة المبادرات نفسها: اكتشاف طاقات جديدة ربما لم تصل إليها الدولة من قبل.
كما أن مشاركة الشباب في تنفيذ المبادرات ينبغي ألا تنتهي بمجرد قبول الفكرة. فمن المهم أن يكون صاحب المبادرة جزءًا من مراحل تطويرها وتنفيذها، قدر الإمكان، حتى يشعر أن ما طرحه لم يُنتزع منه ليصبح مشروعًا مؤسسيًا بعيدًا عنه.
هذه النقطة تحديدًا تصنع فارقًا بين تمكين حقيقي وتمثيل شكلي للمشاركة.
واللافت أن إطلاق المنصة يأتي في وقت أصبحت فيه الدولة المصرية تنظر إلى الشباب باعتبارهم جزءًا أساسيًا من معادلة التنمية وبناء رأس المال البشري. وتكشف خطط وبرامج الدولة خلال السنوات الأخيرة عن اهتمام بالتدريب والمهارات وريادة الأعمال والمشاركة المدنية، وهو ما يجعل المنصة الجديدة امتدادًا لمسار أكبر، وليس مشروعًا منفصلًا عنه.
لكنني أعتقد أن الاختبار الحقيقي سيبدأ بعد الاحتفال بالإطلاق.
بعد عام من الآن، كيف سنعرف أن المنصة نجحت؟
إذا استطعنا الإجابة عن هذا السؤال بأرقام ومشروعات وقصص نجاح حقيقية، فسيكون القرار قد تجاوز فكرة المنصة الرقمية إلى بناء نموذج جديد للعلاقة بين الدولة والشباب.
أما إذا اكتفينا بعدد المشاركات والإعجابات والمشاهدات، فسوف نكون قد قسنا النشاط، لا الأثر.
وهذا هو الفارق الذي يجب أن ننتبه إليه منذ البداية.
إن الشباب المصري لا يحتاج فقط إلى أن نقول له إنه مستقبل الوطن؛ فهو بالفعل جزء من حاضره. ولا يحتاج إلى أن نكرر أنه يمتلك طاقات هائلة؛ فهو يثبت ذلك كل يوم في مجالات العلم والتكنولوجيا وريادة الأعمال والعمل التطوعي والرياضة والفنون وغيرها.
ما يحتاجه هو مساحة عادلة للفكرة، وطريق واضح للمبادرة، ومؤسسة تستمع، وآلية تتابع، وفرصة حقيقية للمشاركة.
ومن هذه الزاوية، فإن التوجيه الرئاسي بإطلاق المنصة الوطنية التفاعلية يمكن أن يمثل خطوة مهمة في مسار طويل بدأ منذ سنوات، لكنه يفتح الآن بابًا جديدًا: أن تصبح مشاركة الشباب عملية مستمرة، لا مناسبة عابرة.
وفي اليوم العالمي للشباب، لا يسعني إلا أن أوجه التحية إلى شباب مصر، الذين أثبتوا في محطات كثيرة أنهم قادرون على تحمل المسؤولية عندما تتاح لهم الفرصة.
كل عام وشباب مصر بخير..
كل عام وهم طاقة الوطن، وعقله المتجدد، وصوت المستقبل الذي نحتاج إلى أن نسمعه اليوم، لا أن ننتظر الغد حتى يأتي.