حراس الفن الشعبى فى مصر.. عادل السنهورى يوثق أصواتًا صنعت ذاكرة المصريين

الأربعاء، 12 أغسطس 2026 10:03 ص
حراس الفن الشعبى فى مصر.. عادل السنهورى يوثق أصواتًا صنعت ذاكرة المصريين حراس الفن الشعبي في مصر

أحمد إبراهيم الشريف

يستعيد الكاتب والباحث عادل السنهوري في كتابه "حراس الفن الشعبي في مصر.. رموز الأغنية الشعبية من الصعيد إلى الوجه البحري" أصواتًا صنعت جانبًا واسعًا من الذاكرة السمعية للمصريين، وحملت الموال والمديح والسيرة والأغنية الريفية والصعيدية والسكندرية وأغاني القناة وسيناء إلى الأفراح والموالد والمسارح والإذاعة والتليفزيون. ويقيم الكتاب مساره على سيرة الفنان نفسه: النشأة، والبيئة، وطريق الوصول إلى الجمهور، والأعمال الأشهر، والرحلات، وصلته بالمؤسسات الثقافية والإذاعية، ثم ما بقي من أثره في الوجدان الشعبي.

صدر الكتاب عن معهد الشارقة للتراث سنة 2026، وجاء في مجلد يقترب من 360 صفحة، ضمن إصدارات المعهد المعنية بتوثيق التراث المصري، ويضم الفهرس أكثر من عشرين فصلًا تبدأ بمقدمة عنوانها "بداية الحكاية.. يوليو والفن الشعبي"، ثم تنتقل إلى زكريا الحجاوي، ويوسف شتا القليوبي، وخضرة محمد خضر، وجمالات شيحة، وفاطمة سرحان، ومحمد طه، وأبو دراع، والريس حفني، والريس متقال، وغيرهم، وصولًا إلى السمسمية وحامد إبراهيم وأغاني التراث السيناوي.

تشرح مقدمة الكتاب أن الدراسات المتخصصة تناولت فن الموال والفن الشعبي، بينما بقيت سيرة عدد كبير من المؤدين موزعة بين روايات شفوية ومعلومات قصيرة وتسجيلات مهددة بالفقد، ويذكر السنهوري أنه واجه صعوبة كبيرة في جمع تفاصيل حياة هؤلاء الفنانين، على الرغم من انتشار أغنياتهم ومواويلهم وسط الجمهور، ولهذا يتجه إلى المصادر العلمية والدراسات والمقابلات وما بقي لدى الأسر، ويضع الفنان الشعبي في قلب الحكاية بوصفه حامل النص واللحن وطريقة الأداء وذاكرة المكان.

وتستعيد المقدمة تاريخ الجهد المؤسسي في جمع المأثورات الشعبية، بدءًا من إنشاء مركز الفنون الشعبية ولجنة الفنون الشعبية بالمجلس الأعلى للفنون والآداب والعلوم الاجتماعية عام 1957، بمشاركة أسماء مثل سهير القلماوي وعبد الحميد يونس وعبد العزيز الأهواني وأحمد رشدي صالح، ثم تأسيس الجمعية المصرية للمأثورات الشعبية عام 2001، والعمل على الأرشيف القومي للمأثورات الشعبية، والاستعانة بعشرات الباحثين وخريجي الجامعات في الجمع الميداني والتوثيق والتصنيف. هذا السياق يضع الكتاب داخل سؤال عملي: كيف تتحول التسجيلات والسير المتناثرة إلى مادة قابلة للقراءة والدراسة والتداول؟

وتكشف طريقة ترتيب الفصول عن مسارين متداخلين. الأول تاريخي يبدأ بجيل الجمع والاكتشاف الذي مثله الحجاوي، ثم ينتقل إلى جيل الإذاعة والمسرح والفرق القومية، وبعده جيل الأسطوانة والكاسيت. والثاني جغرافي يتتبع انتقال اللون الشعبي من القرية إلى العاصمة، ومن الصعيد إلى الدلتا، ومن الإسكندرية إلى القناة وسيناء، وبهذا يستطيع القارئ ربط كل صوت بوسيط انتشاره: المولد عند جيل، والإذاعة عند جيل، والمسرح والسينما عند آخرين، والكاسيت عند مطربي السبعينيات والثمانينيات.

حراس الفن الشعبي
حراس الفن الشعبي

 

زكريا الحجاوي.. الرجل الذي جمع الأصوات من القرى

يضع الكتاب زكريا الحجاوي في البداية لأنه يمثل نقطة اتصال بين الفن الشعبي ومؤسسات الدولة الحديثة، خرج الحجاوي إلى القرى والنجوع، واستمع إلى الأصوات في بيئاتها، ثم نقل عددًا منها إلى المسرح والإذاعة والتليفزيون.
ارتبط اسمه باكتشاف محمد طه وخضرة محمد خضر وأبو دراع وجمالات شيحة، وأسهم في تأسيس فرقة الفلاحين، وقدم عشرات الأعمال الإذاعية المستندة إلى الحكاية والسيرة الشعبية، ومنها "أيوب المصري" و"كيد النسا" و"سعد اليتيم"، وبهذا يتحول فصل الحجاوي إلى مفتاح لفهم بقية الفصول، فعدد كبير من أبطال الكتاب عبروا من المجال المحلي إلى المجال العام من خلال رحلاته ومشروعاته.

ويرصد الكتاب كذلك الجانب الصعب في رحلة الحجاوي: الفقر والتنقل والعمل الصحفي والإذاعي، والبحث المتواصل عن المداحين والمغنين ثم سفره إلى قطر سنة 1971 وتأسيسه هناك مركزًا لتجميع الفنون الشعبية، ورحيله سنة 1975، وتكشف سيرته أن حماية الفن الشعبي احتاجت إلى باحث يعرف قيمة الصوت، ومنتج يفتح له باب المؤسسة، وكاتب يسجل حكايته، وجمهور يمنحه الحياة خارج لحظة الأداء.

 

الموال بوصفه سجلًا للحياة المصرية

تحتل فصول الموال مساحة رئيسية من الكتاب، يوسف شتا القليوبي يظهر بوصفه "العمدة" و"ريس الموال"، وصاحب قدرة على مخاطبة الجمهور عبر الحكاية والقيم والموقف الاجتماعي، يتتبع السنهوري أشهر أعماله، ومنها "أدهم الشرقاوي" و"خاين العيش" و"فهيم وفهيمة"، ثم رحلته إلى باريس وحفلاته التي قدمت الموال المصري أمام جمهور أجنبي.

ويكشف الفصل مشكلة متكررة في الكتاب كله، شهرة الفنان وسط الناس تقابلها ندرة شديدة في المعلومات الموثقة عنه، وهو ما دفع المؤلف إلى الاستعانة بكتب جلال الصياد وشهاداته حول رحلة يوسف شتا.

ويأتي محمد طه باعتباره نموذجًا للارتجال الخلاق، بدأت موهبته بين عمال مصنع الغزل والنسيج، ثم انتقل إلى المقاهي والموالد والمسارح، وشارك في حفلات "أضواء المدينة"، وارتبطت شهرته بعبارة "آه يا عيني" وبآلاف المواويل التي ألفها وارتجلها.

ويبرز الفصل العلاقة بين اللحظة السياسية والموال، فقد شارك طه في حفل بالسويس خلال العدوان الثلاثي سنة 1956، وتحول صوته إلى جزء من التعبير الشعبي عن الحدث العام، كما يفتح السنهوري ملفًا بحثيًا مهمًا يتعلق بضرورة فصل النص الموروث عن النص المؤلف، وتصنيف المواويل والقصص الموالية والأغاني الشعبية وأغاني الأفلام داخل أرشيف واضح.

ويمد الكتاب الخط إلى أبو دراع، صاحب الأداء المتفرد الذي فقد ذراعه أثناء العمل في أرض والده، وظهر في فيلم "ابن الحداد" سنة 1944، وغنى أمام جمال عبد الناصر، وارتبط بسرادق ثابت في الحسين خلال ليالي رمضان، ثم ينتقل إلى الريس حفني والريس متقال، حيث تحضر الربابة والسيرة والغناء الصعيدي، ويقدم متقال بوصفه حاملًا للفلكلور الصعيدي، ألّف ولحن وغنى، وطاف دولًا عديدة، ووصل إلى أوبرا باريس، بينما ظل الجلباب والربابة واللهجة الصعيدية مكونات أصيلة في صورته الفنية.

 

المديح والملاحم.. رواية كاملة تُغنى أمام الجمهور

يفرد السنهوري فصلًا للشيخ محمد عبد الهادي، ويقدمه بوصفه مداحًا عصاميًا بدأ قارئًا للقرآن في المناسبات، ثم التحق ببطانة إحدى فرق الإنشاد الديني الارتجالي، قبل أن يؤسس فرقته سنة 1963 ويجوب بها قرى الريف. جمع عبد الهادي بين التأليف والتلحين والأداء، وغنى نحو 210 قصص، من بينها "مولد النور" و"الملكة والوريث" و"غريب في المدينة" و"صابر والصابرين"، إلى جانب ملاحم محفوظة في أرشيف الإذاعة والتليفزيون.

وتوضح هذه السيرة أن الأغنية الشعبية تمتد إلى عمل حكائي طويل، له شخصيات وبناء وأحداث ومواقف أخلاقية، ويحتاج إلى مؤد يملك النفس والذاكرة والقدرة على إدارة الجمهور.

ويجمع فصل آخر بين الليثي وحواس والبنجاوي تحت وصف «أشهر ثلاثي الموال والمديح»، فيرصد صورة الفرقة الشعبية التي يقوم نجاحها على تكامل الأصوات والردود والإيقاع، وعلى الانتقال بين المديح والحكاية والموال بحسب المناسبة. ويكشف هذا الجزء أهمية «البطانة» في فن الإنشاد؛ فهي تشارك المؤدي، وتعيد اللازمة، وتمنح الحكاية إيقاعها الجماعي. ومن هنا يوسع الكتاب معنى الحارس: الحراسة تتوزع بين المطرب، والراوي، والعازف، والبطانة، والملحن، وجامع النص، وصاحب التسجيل الذي حفظ نسخة بقيت بعد رحيل أصحابها.

 

مطربات حملن صوت الريف إلى المسرح والإذاعة

يمنح الكتاب المطربات الشعبيات مساحة واسعة تكشف اختلاف البيئات والأجيال، خضرة محمد خضر تتقدم بوصفها سيدة الغناء الأولى في الموالد الشعبية، ثم تأتي جمالات شيحة من قرية كوم حلين في الشرقية، وقد شاركت الحجاوي في تأسيس فرقة الفلاحين سنة 1961، وقدمت أوبريتات «خيال المآتة» و«سعد اليتيم»، وسافرت بالغناء الشعبي إلى اليابان وفرنسا والولايات المتحدة ودول عربية عديدة. ويرصد الفصل قدرتها على حفظ النصوص والألحان اعتمادًا على الذاكرة، وتحويل صوت الفلاحة المصرية إلى حضور على المسارح الدولية.

وفاطمة سرحان تمثل خط الموال والمديح والسير الشعبية داخل الأسرة والفرقة، اكتشفها الحجاوي مع فرقة «سيد رمضان»، وأصبحت من نجمات فرقة الفلاحين، ثم أعادت أعمال معاصرة صوتها إلى أجيال جديدة، خاصة مشاركتها في أغنية «الوحدانية» وتجدد حضورها مع مسلسل «أفراح القبة». وتضم الفصول التالية فاطمة عيد، وليلى نظمي صاحبة «أمه نعيمة»، وعايدة الشاعر التي بدأت مترجمة ومدرسة للفرنسية قبل أن تفوز في اختبارات الإذاعة وتغني «الطشت قال لي» و«كايدة العزال»، وشفيقة الطنطاوية التي بدأت الغناء في الثالثة عشرة، وإلهام بديع صاحبة «يا حضرة العمدة». وتكشف هذه السير مسارات مختلفة لصناعة النجومية: المولد، والفرقة، والإذاعة، والأسطوانة، والسينما، ثم شريط الكاسيت.

 

من الإسكندرية إلى القناة وسيناء.. جغرافيا الغناء الشعبي

يكتمل عنوان الكتاب الفرعي عبر فصول تتجاوز الصعيد والدلتا إلى الإسكندرية ومدن القناة وسيناء، ويضم الكتاب أنور العسكري وعبده الإسكندراني بوصفهما الأستاذ والتلميذ في فن الموال، وفايد محمد فايد ضمن جيل إذاعة الإسكندرية، وهي الإذاعة التي قدمت عشرات المطربين وسجلت مئات الأغاني وأسهمت في صناعة مشهد غنائي سكندري له مفرداته وملحنوه وشعراؤه. كما يخصص فصلًا للسمسمية بوصفها صوت المقاومة والنصر والأفراح في مدن القناة، ثم يختتم بحامد إبراهيم رائد أغاني التراث السيناوي، فتظهر الخريطة الموسيقية بوصفها خريطة أماكن وتجارب تاريخية ولهجات وأدوات أداء.

قيمة «حراس الفن الشعبي في مصر» تتحدد في مادته الاسمية والوثائقية: أسماء، وتواريخ، وأعمال، وفرق، وإذاعات، ومسارح، ورحلات، وشهادات. ويمنح جمع هذه المادة في كتاب واحد الباحث والقارئ مدخلًا إلى فن عاش طويلًا في الذاكرة الشفوية والأسطوانات والشرائط القديمة. ويعيد السنهوري ترتيب البطولة داخل تاريخ الغناء المصري، فيضع أصحاب الموال والمديح والسيرة والسمسمية والأغنية الريفية في موضعهم داخل المشهد، ويقدم سجلًا يمكن البناء عليه في جمع التسجيلات، وتحقيق النصوص، وتوثيق الصور، وإعداد أرشيف سمعي وبصري يربط كل فنان بأعماله وبيئته ومدرسته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة