حسام الدين علام

القانون وحماية البيانات الشخصية

الأربعاء، 12 أغسطس 2026 06:00 م


أصبحت البيانات الشخصية جزءًا من الأمان اليومي للإنسان. الاسم، ورقم الهاتف، والعنوان، والصورة، والبريد الإلكتروني، والموقع الجغرافي، والبيانات البنكية، وسجل الشراء، وبصمة الدخول إلى التطبيقات، كلها عناصر ترسم صورة دقيقة عن حياة الفرد وعلاقاته وسلوكه ومعاملاته. وحين تنتقل هذه البيانات بين التطبيقات، والبنوك، والمتاجر الإلكترونية، والمنصات الخدمية، وجهات العمل، ومقدمي الخدمات، تصبح حمايتها ضرورة قانونية لا تقل أهمية عن حماية المال أو السمعة أو حرمة المسكن.

وتكمن قيمة قانون حماية البيانات الشخصية في أنه يضع العلاقة الرقمية على أساس واضح: المواطن صاحب حق في بياناته، والمؤسسة صاحبة التزام في طريقة جمعها واستخدامها وتأمينها. وبذلك يخدم القانون طرفين في وقت واحد؛ فهو يحمي الفرد من الاستغلال والاحتيال والابتزاز والتسويق غير المنضبط، ويحمي المؤسسات الجادة من الفوضى الرقمية، ويمنح الاقتصاد الرقمي بيئة أكثر ثقة واستقرارًا.

 

الأساس الدستوري لحماية الخصوصية الرقمية

تبدأ حماية البيانات الشخصية من الدستور المصري، لأن البيانات في العصر الرقمي أصبحت امتدادًا للحياة الخاصة. فقد نصت المادة (٣١) على أن: "أمن الفضاء المعلوماتى جزء أساسى من منظومة الاقتصاد والأمن القومى، وتلتزم الدولة باتخاذ التدابير اللازمة للحفاظ عليه، على النحو الذى ينظمه القانون." وهذا النص يضع أمن المعلومات في موضعه الصحيح؛ فهو عنصر من عناصر حماية الاقتصاد، واستمرار الخدمات، والثقة في المعاملات.

وتنص المادة (٥٧) على أن: "للحياة الخاصة حرمة، وهى مصونة لا تمس. وللمراسلات البريدية، والبرقية، والإلكترونية، والمحادثات الهاتفية، وغيرها من وسائل الاتصال حرمة، وسريتها مكفولة، ولا تجوز مصادرتها، أو الاطلاع عليها، أو رقابتها إلا بأمر قضائى مسبب، ولمدة محددة، وفى الأحوال التى يبينها القانون." وهذا النص يمثل القاعدة الدستورية الأوضح لحماية الخصوصية والاتصالات في البيئة الحديثة.

وتنص المادة (٦٨) على أن: "المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق الرسمية ملك للشعب، والإفصاح عنها من مصادرها المختلفة، حق تكفله الدولة لكل مواطن، وتلتزم الدولة بتوفيرها وإتاحتها للمواطنين بشفافية..." وهذه المادة تكمل الصورة؛ فالدستور يجمع بين الحق في المعرفة وحماية الخصوصية. الشفافية مطلوبة في المعلومات العامة، والحماية واجبة في البيانات الشخصية. هذا التوازن هو جوهر الدولة القانونية في العصر الرقمي.

 

المفاهيم الأساسية في قانون حماية البيانات

البيانات الشخصية هي كل بيان يتعلق بشخص طبيعي محدد أو يمكن تحديده، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، من خلال الاسم، أو الرقم القومي، أو رقم الهاتف، أو الصورة، أو البريد الإلكتروني، أو البيانات الصحية أو البنكية، أو أي علامة أو مجموعة بيانات تكشف هوية الشخص عند ربطها بغيرها. أما البيانات الحساسة فهي البيانات الأشد اتصالًا بخصوصية الإنسان، مثل البيانات الصحية أو البيومترية أو ما شابهها من بيانات يقرر القانون لها حماية أشد.

والمعالجة تعني أي عملية تجرى على البيانات الشخصية إلكترونيًا، مثل الجمع، أو التسجيل، أو الحفظ، أو الترتيب، أو التعديل، أو الاستخدام، أو الإفصاح، أو النقل، أو المحو. والمتحكم هو الجهة أو الشخص الذي يحدد الغرض من جمع البيانات وطريقة معالجتها. والمعالج هو من يتولى المعالجة لصالح المتحكم ووفقًا لتعليماته. وهذه المفاهيم مهمة لأنها تحدد المسؤولية: من جمع، ولماذا جمع، وكيف استخدم، ومن يملك الوصول، ومن يتحمل واجب التأمين.

وقد صدر قانون حماية البيانات الشخصية رقم (١٥١) لسنة (٢٠٢٠) ليضع إطارًا حاكمًا للبيانات الشخصية المعالجة إلكترونيًا كليًا أو جزئيًا لدى الحائز أو المتحكم أو المعالج، وذلك بالنسبة للأشخاص الطبيعيين. ومع صدور اللائحة التنفيذية بقرار وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات رقم (٨١٦) لسنة (٢٠٢٥)، انتقلت أحكام القانون إلى مستوى أكثر تفصيلًا في إجراءات الترخيص والامتثال والضوابط الفنية والتنظيمية.

 

حقوق المواطن في بياناته الشخصية

يرفع القانون المواطن من موقع المتلقي الصامت إلى موقع صاحب الحق. فالبيانات لا تنفصل عن صاحبها، ولا يجوز التعامل معها كأنها مادة متاحة بلا ضوابط. ومن أهم حقوق الشخص المعني بالبيانات أن يعلم بوجود معالجة لبياناته، وأن يعرف الغرض منها، وأن يصل إلى بياناته، وأن يطلب تصحيحها أو تعديلها أو محوها أو تحديثها وفقًا للقواعد القانونية، وأن يعترض على بعض صور المعالجة في الحالات المقررة، وأن يسحب موافقته متى كانت المعالجة قائمة على هذه الموافقة.
وتظهر أهمية هذه الحقوق في التعاملات اليومية. عند تحميل تطبيق، أو فتح حساب إلكتروني، أو الاشتراك في خدمة، أو إدخال بيانات بنكية، أو تقديم صورة بطاقة، ينبغي أن يكون الغرض واضحًا، والبيانات المطلوبة بقدر الحاجة، ومدة الاحتفاظ مفهومة، وطريقة الحماية جدية. الموافقة ليست زرًا يضغطه المستخدم بسرعة، بل تعبير عن علم واختيار في مسألة تتعلق بخصوصيته.

والحماية هنا لا تعطل الخدمات، بل تجعلها أكثر نضجًا. فالمواطن الذي يطمئن إلى مصير بياناته يستخدم الخدمات الرقمية بثقة أكبر. والعميل الذي يعرف أن البنك أو الشركة أو المنصة تتعامل مع بياناته وفق قواعد واضحة، يصبح أكثر استعدادًا للتعامل الإلكتروني. حماية البيانات بهذا المعنى جزء من بناء الثقة، والثقة هي رأس مال العصر الرقمي.

 

التزامات المؤسسات وبناء الثقة

يفرض القانون على المؤسسات والشركات والجهات التي تجمع البيانات أو تعالجها التزامات واضحة. من أهمها تحديد غرض مشروع ومحدد لجمع البيانات، والحصول على الموافقة في الحالات التي يتطلبها القانون، والاقتصار على البيانات اللازمة للغرض، وعدم الاحتفاظ بها لمدة أطول من الحاجة، وتأمينها فنيًا وتنظيميًا، وتنظيم الوصول إليها، والتعامل الجاد مع حوادث الخرق أو التسريب، وتعيين أو تحديد مسؤوليات داخلية لحماية البيانات والامتثال.

هذه الالتزامات تحمي المؤسسة كما تحمي المواطن. فالتسريب لا يضر صاحب البيانات وحده؛ إنه يضر سمعة الجهة، ويضعف ثقة العملاء، ويفتح باب المسؤولية، ويربك الخدمة. وكل مؤسسة تفكر بعقل اقتصادي رشيد تدرك أن الاستثمار في أمن البيانات أقل تكلفة من علاج أزمة تسريب، وأن الوضوح في سياسة الخصوصية أقل تكلفة من نزاع مع العملاء، وأن الامتثال للقانون عنصر من عناصر جودة الإدارة.

ويتكامل قانون حماية البيانات الشخصية مع قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات رقم (١٧٥) لسنة (٢٠١٨)، الذي يواجه صور الاعتداء على النظم والمواقع والحسابات والبيانات، ويقرر حماية جنائية لحرمة الحياة الخاصة في الفضاء الرقمي. ومعنى ذلك أن الحماية تعمل في أكثر من اتجاه: تنظيم جمع البيانات ومعالجتها من ناحية، ومواجهة الاعتداءات والجرائم الإلكترونية من ناحية أخرى.

 

خمس توصيات عملية لحماية المواطن والمؤسسات

أولًا: على المواطن أن يتعامل مع بياناته باعتبارها جزءًا من حمايته الشخصية. لا يرسل صورة البطاقة أو البيانات البنكية أو رمز التحقق إلا لجهة موثوقة، ولا يدخل بياناته في رابط مجهول، ولا يمنح التطبيقات أذونات أوسع من الحاجة.

ثانيًا: على كل مستخدم أن يراجع إعدادات الخصوصية في هاتفه وتطبيقاته وحساباته، وأن يستخدم كلمات مرور قوية، وأن يفعّل التحقق الثنائي، وأن يحدث البرامج بانتظام. كثير من المخاطر يبدأ من إهمال بسيط، ثم يتحول إلى ضرر واسع.

ثالثًا: على المؤسسات أن تعتمد مبدأ "الحد الأدنى من البيانات"، فتجمع ما تحتاجه فقط، وتحدد الغرض بوضوح، وتوثق الموافقة، وتضع سياسة خصوصية مفهومة، وتدرب العاملين على التعامل الآمن مع البيانات. حماية البيانات تبدأ من الإدارة اليومية لا من النصوص المكتوبة وحدها.

رابعًا: على الجهات التي تقدم خدمات رقمية أن تبني نظامًا داخليًا للاستجابة لحوادث الخرق، يتضمن اكتشاف الحادث، واحتواءه، وتوثيقه، وإبلاغ الجهة المختصة أو الأشخاص المعنيين متى تطلب القانون ذلك، ثم مراجعة أسباب الخلل لمنع تكراره.

خامسًا: على الإعلام والمدارس والجامعات ومراكز التدريب أن تجعل الثقافة الرقمية القانونية جزءًا من الوعي العام. المواطن يحتاج إلى لغة سهلة تشرح معنى البيانات الشخصية، وحقوقه، ومخاطر الروابط الوهمية، والتسويق المزعج، وتسريب الصور والمستندات، وطرق الشكوى والاعتراض.

وفي الختام، فإن حماية البيانات الشخصية هي حماية مباشرة لخصوصية الإنسان وثقته وأمانه في العصر الرقمي. فالبيانات تكشف جوانب دقيقة من حياة الناس ومعاملاتهم واختياراتهم، ولذلك يجب أن تُدار بوعي ومسؤولية. وعندما يحافظ المواطن على بياناته، وتلتزم المؤسسات بجمعها واستخدامها وتأمينها وفق القانون، يصبح التحول الرقمي أكثر أمنًا، والخدمات أكثر موثوقية، والاقتصاد الرقمي أكثر قدرة على النمو. فالتطور الرقمي الحقيقي يقوم على قاعدة واضحة: خدمة أسرع، وبيانات مصونة، وحقوق محفوظة.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة