متحف الفن الإسلامي رمز من رموز القوة الناعمة
بدأت فكرة إنشاء هذا المتحف، المعروف الآن باسم متحف الفنون الإسلامية أو متحف الفن الإسلامي بمنطقة باب الخلق، في عصر الخديوي إسماعيل، وبالتحديد في سنة 1869، عندما اقترح أحد المهندسين العاملين بوزارة الأوقاف، وكان يُدعى سيلزمان، فكرة وعرضها على الخديوي إسماعيل بالاهتمام بالآثار الإسلامية والمقتنيات المنقولة، على وجه التحديد من الآثار الإسلامية، بنفس الأهمية التي أُعطيت للآثار المصرية القديمة.
وأُعجب الخديوي إسماعيل بهذه الفكرة وتبناها، وعيّن أو كلف مدير القسم الفني في وزارة الأوقاف في ذلك الوقت، فرانس باشا، بجمع التحف الفنية الإسلامية من المناطق المختلفة، سواء كانت منازل قديمة، أو عمائر إسلامية مهجورة، أو مباني حكومية، أو مجموعات خاصة لدى الناس.
وبدأ تنفيذ هذا المشروع، إلا أن الخديوي إسماعيل لم يتسنَّ له أن يستكمل مشروعه بإنشاء المتحف الإسلامي أو متحف الفنون الإسلامية، وإنما بدأ تنفيذه في عصر الخديوي توفيق سنة 1880، عندما قام فرانس باشا بجمع هذه التحف أو الانتهاء من جمعها ووضعها في الإيوان الشرقي لجامع الحاكم بأمر الله، وأُطلق عليها اسم بيت الآثار الإسلامية أو بيت الآثار العربية أو دار الآثار العربية في ذلك الوقت.
وازدادت أهمية هذا الأمر بمرور الوقت، وعظم عدد القطع التي كانت تُجمع، وبدأ اهتمام الناس، وخاصة المثقفين، بفكرة إنشاء دار يُحفظ فيها هذا التراث الإسلامي، أسوة بما حدث بالنسبة للتراث المصري القديم، وشجع على هذا المشروع إنشاء ما عُرف في ذلك الوقت بلجنة حفظ الآثار العربية سنة 1881.
وأصبحت لجنة حفظ الآثار العربية منوطًا بها العناية بكل ما تخلف عن العصور الإسلامية من عمائر قائمة أو آثار منقولة، واهتمت بوجه خاص بترميم المساجد والمدارس والخنقاوات والمنشآت الحربية، وكذلك المنشآت الاقتصادية التي تمتلئ بها شوارع القاهرة. ويُعتبر إنشاء هذه اللجنة مرحلة جديدة ومهمة في تاريخ الاهتمام بالآثار الإسلامية والفنون الإسلامية.
وهذه اللجنة لم تُنشأ كلجنة كبيرة ذات حيثية كبرى، وإنما كانت عبارة عن مكان صغير جدًا في مبنى بُني خصيصًا لها في صحن جامع الحاكم بأمر الله.
وإلى جوار ما عُرف باسم المتحف العربي، تحت إدارة فرانس باشا، الذي لا شك له الفضل في لفت الأنظار ولفت الاهتمام إلى الميراث والتراث الإسلامي في مصر، قامت لجنة حفظ الآثار تحت إشراف كبير المهندسين لديها، وهو هرتز باشا، بعد أن ترك فرانس باشا الخدمة سنة 1892.
وأشرف هرتز باشا على اللجنة والمتحف العربي منذ 1892، وقام بعمل أول كتالوج أو دليل متحفي للمجموعة التي جُمعت في ذلك الوقت، وعلى وجه التحديد نُشر هذا الكتالوج أو الدليل سنة 1895.
على أن فرانس هرتز باشا رأى أن المكان أضيق من أن يستوعب العدد الضخم من التحف الإسلامية التي ازدادت بكثرة في ذلك الوقت، كما أنه لم يكن المكان اللائق بالعرض المتحفي لهذه التحف. واستقر الأمر بعد ذلك على أن يُبنى مبنى خاص بهذه الآثار، أسوة بمتحف التحرير الذي بُني في ذلك الوقت، والسرعة في بنائه، وتحت مسمى دار الآثار العربية.
واختير له منطقة باب الخلق التي تتوسط القاهرة القديمة، وتفصل بين القاهرة الحديثة أو قاهرة إسماعيل أو القاهرة الخديوية، وبين القاهرة القديمة بمنشآتها القديمة التي ترجع إلى العصور الإسلامية، وتم وضع حجر الأساس لهذه الدار سنة 1899.
أما الانتهاء من البناء فقد تم في سنة 1902، ونُقلت التحف إليه إلى المبنى تدريجيًا، وتم افتتاح المتحف أو دار الآثار رسميًا في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني في 28 ديسمبر سنة 1903، كما تشير إلى ذلك اللوحة التأسيسية التي لا تزال موجودة بالمتحف حتى الآن، ونصها: "في عهد الخديوي عباس حلمي الثاني وضع أساس الكتبخانة الخديوية ودار الآثار العربية والتاريخ الهجري سنة 1317"، وكان عدد التحف التي عُرضت في ذلك الوقت، وعلى وجه التحديد عند افتتاح الدار، حوالي 7000 قطعة فنية، وهذه طفرة كبيرة جدًا ما بين عدد التحف التي بدأ في جمعها في صحن جامع الحاكم، وما بين التحف التي وصل عددها إلى هذا العدد الضخم عند افتتاح دار الآثار العربية سنة 1903.
وبدأ جامعو التحف الذين كانوا يملكون مجموعات خاصة يتشجعون، وخاصة من الأسرة العلوية، مثل أم الخديوي عباس وغيرها من نساء الأسرة، بإهداء هذه الدار الجديدة مجموعة من التحف التي كانوا يحتفظون بها في قصورهم في ذلك الوقت، لتزيد نتيجة لهذه الإهداءات من الملوك والأمراء والهواة.
وعلى سبيل المثال، من أبرز المجموعات المتحفية التي أُهديت لهذه الدار مجموعة الأمير يوسف كمال سنة 1913، وهي مجموعة قيمة لا تُقدّر بثمن. ثم بعد ذلك أهدى الأمير محمد علي، ولي عهد مصر في ذلك الوقت، سنة 1924 عددًا من التحف إلى المتحف، ثم الأمير كمال الدين حسين سنة 1933. ثم أهدى الملك فؤاد الدار مجموعة ثمينة جدًا من المنسوجات وقطع الصنج والموازين.
كما يقال إن الملك فاروق أهدى أيضًا مجموعة من قطع الخزف، من الصحون والأباريق، سنة 1941 إلى الدار. وتضاعفت مجموعات المتحف بسرعة كبيرة جدًا عندما بدأ القائمون على إدارته ينشئون إدارة لشراء التحف من السوق المصرية في ذلك الوقت.
فبدأ شراء مجموعة التاجر رالف هراري، أشهر مجموعة في مصر لذلك الوقت، سنة 1945، ومجموعة علي باشا إبراهيم من الخزف والسجاد في سنة 1949. وكان كلما ازدادت مصادر تزويد الدار بالتحف، احتاجت إلى مزيد من إعادة العرض وإعادة تبويب هذه التحف وعرضها عرضًا لائقًا بها.
إلا أن الحفائر الأثرية التي قامت بها إدارة دار الآثار العربية في ذلك الوقت، وخاصة في الفسطاط، وكذلك في مناطق جنوب مصر، وعلى وجه التحديد في منطقة غرب أسيوط، أصبحت ولا شك مصدرًا هامًا من مصادر تزويد المتحف بقطع جديدة وغير مسبوق عرضها.
حتى بلغ عدد التحف في سنة 1951 حوالي 45 ألف قطعة. وفي هذا العام بدأ تعيين مدير مصري لدار الآثار العربية بعد الفرنسي جاستون فيت، وهو الدكتور زكي محمد حسن، الذي عاد في ذلك الوقت من أوروبا وتولى التدريس في جامعة القاهرة، ثم بدأ في إدارة متحف الفن الإسلامي.
ورأى هذا الرجل أنه من الناحية العلمية، فإن كلمة "دار الآثار العربية" لا تعبّر تعبيرًا دقيقًا عما يحتويه هذا المتحف، وخاصة أن المتحف كان يحتوي على تحف من جميع بلدان العالم الإسلامي شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، وينتمي إلى العصور المختلفة للدول الإسلامية المختلفة التي قامت وحكمت العالم الإسلامي، سواء كانت دول خلافة أو كانت دولًا مستقلة.
ولذلك رأى تغيير الاسم إلى "متحف الفن الإسلامي" ليعبّر تعبيرًا دقيقًا عن أن هذا المتحف لا يضم الآثار العربية فحسب، وإنما يضم الآثار الإسلامية بصفة عامة. ومنذ ذلك التاريخ أيضًا غُيّرت كلمة الفنون العربية أو الفن العربي إلى كلمة الفن الإسلامي في التدريس الأكاديمي من قبل الذين كانوا يقومون بتدريس هذه المواد في الجامعات المصرية.
لكن هذا المتحف، بمرور الوقت وتطور الزمن، كان القائمون على تطور فكرة السياحة أيضًا في مصر وزيادة السائحين القادمين إليها يرون أنه كان لابد من إعادة النظر في شكل العرض المتحفي، وأيضًا في توسيع المتحف بشكل أو بآخر وإعادة صياغة عمارته.
ففي 1983-1984 تم إجراء توسعة أولى للمتحف بزيادة مساحته وزيادة عدد القاعات المعروضة فيها هذه التحف، فصارت هذه القاعات حوالي 25 قاعة، وأضيف إلى المتحف قاعتان للنسيج والسجاد، ومخزن داخلي، وقاعة جديدة للعملة الإسلامية لم تكن موجودة من قبل ذلك.
ثم أُزيلت محطة الوقود التي كانت تقع إلى اليمين من المتحف، وكذلك عدد من المنازل الموجودة حولها، وأُنشئت بدلًا منها حديقة متحفية عُرض فيها بعض الآثار الإسلامية الضخمة، مثل قواعد الأعمدة وتيجان الأعمدة وبعض القدور المصنوعة من الرخام.
على أن هذا المتحف قد تعرض لاعتداء غاشم يوم 24 يناير 2014، حيث انفجرت سيارة مفخخة كانت تستهدف مديرية أمن القاهرة المقابلة للمتحف، وأدى هذا التفجير إلى تدمير واجهة المتحف المقابلة للمديرية، وتدمير الكثير من القطع الأثرية، وهذا الاعتداء الغاشم أوقع الكثير من الضرر على المعروضات.
وفي اليوم التالي، قامت منظمة اليونسكو بالتبرع بمبلغ مالي ضخم لترميم هذه القطع الأثرية وإعادة المتحف للعمل. واستمر هذا الترميم حوالي أربعة شهور، وتم بالفعل ترميم العديد من القطع التي دُمرت أثناء هذا الانفجار وإعادتها إلى أصلها، مثل المشكاوات الزجاجية وغيرها من القطع التي تأثرت في رد فعل على الانفجار، وأُعيد افتتاح المتحف مرة أخرى في احتفال كبير جدًا.
ويتميز المتحف عن غيره من المتاحف في العالم، حتى أصبح هذا المتحف من أهم مظاهر القوة الناعمة لمصر ومصدرًا من مصادر الدخل القومي للسياحة الثقافية في مصر، كما أنه يعكس من خلال التحف الموجودة به معرفة الدور التاريخي لمصر الإسلامية عبر العصور، كما يظهر المتحف جانبًا هامًا من الشخصية المصرية المتميزة عبر العصور الإسلامية.