"منذ يومه الأول وهو يتلقى العلاج".. واجد أبو عواد طفل غزة حرمته الحرب من استكمال رحلة علاج يديه.. ينتظر جراحة لإعادة بناء الإبهامين.. ووالدته تستغيث: "كان من المفترض أن يدخل المدرسة مثل بقية الأطفال"

الثلاثاء، 11 أغسطس 2026 12:00 م
"منذ يومه الأول وهو يتلقى العلاج".. واجد أبو عواد طفل غزة حرمته الحرب من استكمال رحلة علاج يديه.. ينتظر جراحة لإعادة بناء الإبهامين.. ووالدته تستغيث: "كان من المفترض أن يدخل المدرسة مثل بقية الأطفال" الطفل واجد أبو عواد

كتب أحمد عرفة

في الخامسة والنصف من عمره، يفترض أن يكون الطفل واجد أبو عواد منشغلا بأشياء تشبه أحلام الأطفال، لعبة يمسكها بيديه، قلم يرسم به، أو قطعة حلوى يحاول فتح غلافها وحده، لكن حياته منذ ولادته ارتبطت بسؤال مختلف تماما: هل سيتمكن يوما من استخدام يديه بصورة طبيعية؟

ولد في غزة بتشوه خلقي نادر وخطير أصاب كلتا يديه، يعرف طبيا بانحراف اليد الكعبري، وتسبب هذا التشوه في انحراف شديد في يديه وغياب الإبهامين، ليجد الطفل نفسه منذ سنواته الأولى أمام عائق يحرمه من واحدة من أبسط القدرات التي يعتمد عليها أي طفل في اكتشاف العالم من حوله، الإمساك والحركة واستخدام اليدين بصورة طبيعية.

بالنسبة إلى طفل في عمر واجد، لا تعني اليدان مجرد جزء من الجسد، هما وسيلته للعب والتعلم والتعبير عن نفسه والاعتماد على ذاته، لكن كثيرا من هذه التفاصيل اليومية التي تبدو عادية بالنسبة إلى أقرانه، أصبحت بالنسبة إليه تحديا يحتاج إلى مساعدة الآخرين، ورغم صغر سنه، حمل تجربة علاجية طويلة، فقد خضع في وقت سابق لعملية جراحية هدفت إلى تصحيح انحراف اليدين، إلا أن العملية لم تُنه معاناته، وما زالت حالته تتطلب تدخلا جراحيا تخصصيا عاجلا.

المطلوب الآن ليس مجرد متابعة طبية روتينية، وإنما جراحة لإعادة بناء الإبهامين، باعتبارهما عنصرا أساسيا في وظيفة اليد وقدرتها على الإمساك والتحكم في الأشياء.

الطفل واجد أبو عواد
الطفل واجد أبو عواد

فرصة قد لا تتكرر

يقف واجد اليوم أمام سباق مع الوقت، فالأطباء يؤكدون أن تأخير العلاج قد يحرمه من فرصة استعادة الوظيفة الطبيعية ليديه مع نموه، واستمرار الحالة دون التدخل المطلوب قد يؤدي إلى إعاقة دائمة تؤثر في استقلاليته وفي مستقبله، وهنا تتحول رحلة العلاج إلى معركة من أجل المستقبل، فكل عام يمر دون العلاج المتخصص قد يعني أن الخيارات المتاحة أمامه تصبح أكثر صعوبة، وما يمكن إصلاحه الآن قد يصبح أكثر تعقيدًا مع تقدمه في العمر.

لا يطلب واجد الكثير، هو فقط يريد فرصة لاستخدام يديه مثل بقية الأطفال، يريد أن يمسك الأشياء دون مساعدة، ويلعب، ويتعلم، ويكبر وهو قادر على الاعتماد على نفسه في تفاصيل حياته اليومية، لكن هذه الأمنية البسيطة تحتاج اليوم إلى تدخل طبي متخصص لا يتوفر له بالشكل المطلوب داخل غزة، وإلى فرصة للعلاج خارج القطاع.

التقرير الطبي للطفل واجد أبو عواد
التقرير الطبي للطفل واجد أبو عواد

طفل يعيش بين الألم والانتظار

الحرب لا تجعل المرض أكثر قسوة فحسب، وإنما تجعل الوصول إلى العلاج نفسه تحديا، بالنسبة إلى واجد، لا تتعلق المسألة بوجود تشخيص واضح فقط، فقد حدد الأطباء طبيعة التشوه والحاجة إلى الجراحة، لكن التحدي الأكبر يتمثل في الوصول إلى المكان الذي يمكن أن يحصل فيه على العلاج التخصصي اللازم.

وفي الوقت الذي يعيش فيه الأطفال عادة مراحل نموهم الأولى وهم يتعلمون مهارات جديدة كل يوم، ينتظر واجد فرصة قد تحدد شكل حياته في السنوات المقبلة، يداه اللتان كان من المفترض أن تساعداه على اكتشاف العالم، أصبحتا جزءا من معركة هذا الطفل الصغيرة من أجل مستقبل أكثر استقلالا، ومع كل يوم يمر، تبقى الحاجة إلى التحرك قائمة.

قصة واجد ليست فقط قصة طفل يعاني من تشوه خلقي نادر، وإنما طفولة مهددة بأن تكبر مع إعاقة كان من الممكن الحد من آثارها بالتدخل الطبي المناسب وفي الوقت المناسب، هو طفل لم يختر مرضه، وأن يولد بهذه الحالة، ويعيش وسط ظروف تجعل الوصول إلى العلاج أكثر صعوبة، كل ما يملكه الآن هو فرصة للعلاج، وكل ما يحتاج إليه هو أن تصل هذه الفرصة إليه قبل أن يفقدها، يحتاج واجد إلى العلاج في الخارج بأسرع وقت ممكن، وإلى جراحة تخصصية لإعادة بناء الإبهامين، حتى يستعيد أكبر قدر ممكن من وظيفة يديه وقدرته على الإمساك والحركة.

منذ اللحظة الأولى التي جاء فيها واجد إلى الحياة، لم تكن والدته تعرف أن طفولته ستبدأ برحلة طويلة بين الأطباء والعمليات والعلاج، ويديه الصغيرتين ستصبحان محور معركة تمتد لسنوات.

وتروي والدة الطفل في تصريحات خاصة لـ"اليوم السابع"، أن ابنها وُلد وهو يعاني من عدة مشكلات صحية، بينها ثقب في القلب، ومشكلات في الكلى، وانسداد في منطقة الشرج، إلى جانب تشوه في كلتا يديه أثر على قدرته على استخدامهما بصورة طبيعية.

"بدأ واجد العلاج منذ اليوم الأول في حياته"، تقول والدته، في جملة تختصر سنوات طويلة من عمر طفل لم تكن طفولته تشبه طفولة أقرانه، فمنذ ولادته، حاولت الأسرة بكل الوسائل توفير الرعاية الطبية اللازمة له، ولم تقتصر رحلة العلاج على المتابعة داخل غزة، بل اضطرت إلى نقله إلى مناطق أخرى للحصول على الرعاية الطبية المتخصصة.

تقول والدته: "كنا ننقله إلى مناطق أخرى، وإلى الضفة الغربية، وكان ذلك قبل اندلاع الحرب"، هناك، بدأت رحلة علاج طويلة خضع خلالها واجد لعدد من العمليات والإجراءات الطبية، بهدف تحسين حالة يديه ومساعدته على اكتساب قدر أكبر من القدرة على استخدامهما.

الأشعة الخاصة بواجد أبو عواد
الأشعة الخاصة بواجد أبو عواد

وتوضح والدته أن شكل يدي طفلها في بدايات حياته كان أكثر صعوبة مما هو عليه الآن، حيث كانت يداه ملتصقتين بالساعد بصورة شديدة، قبل أن يبدأ الأطباء في العمل على فصلهما وفتحهما تدريجيا، قائلة :" لم تكن يداه بهذا الشكل، بل كانتا ملتصقتين بالساعد، وظل الأطباء يعملون على فتحهما تدريجيا".

لم تكن رحلة العلاج بالنسبة إلى واجد عملية جراحية واحدة تنتهي داخل غرفة العمليات، وإنما مسارا طبيا طويلا يمتد لسنوات، ويتطلب مراحل متتابعة من العلاج والتأهيل والتجميل، إلى جانب إجراءات تهدف إلى تحسين وظيفة اليدين قدر الإمكان.

وتوضح الأم أن علاج حالة واجد يبدأ في سن مبكرة ويمتد لعدة سنوات، من عمر عام تقريبا وحتى السادسة، وفق ما أبلغ الأطباء الأسرة، ويشمل العلاج والتدليك والتجميل وإجراءات أخرى تستهدف تحسين شكل اليدين ووظيفتهما، والتعامل مع مشكلة فقدان بعض الأصابع.

وتقول: "هذه الحالة تحتاج إلى علاج يبدأ تقريبا من عمر عام ويستمر حتى السادسة، ويتضمن العلاج والتدليك والتجميل وإجراءات متعددة، إلى جانب العمل على تعويض الأصابع غير الموجودة، ولذلك فإن العلاج يمر بعدة مراحل".

كانت الأسرة تسير في هذه المراحل خطوة بخطوة، وتحاول ألا تتوقف رحلة علاج واجد، خاصة أن السنوات الأولى من عمره تمثل مرحلة مهمة في التعامل مع حالته وتحسين قدرته على استخدام يديه، لكن الحرب جاءت لتقطع الطريق.

"مع الحرب لم نتمكن من استكمال علاجه"، حيث تقول والدة واجد إن الأسرة كانت تتابع علاجه خارج غزة قبل اندلاع الحرب، إلا أن الظروف التي فرضتها الحرب أوقفت رحلة العلاج، متابعة: "كنا نتابع هذه المراحل العلاجية في الضفة الغربية قبل الحرب، لكن مع اندلاع الحرب لم نتمكن من استكمال علاجه"، ومنذ ذلك الوقت، يعيش واجد وأسرته على الانتظار.

تضيف والدته: "منذ اندلاع الحرب وحتى الآن، ونحن ننتظر أن نتمكن من علاجه ونقله إلى الخارج حتى يستكمل مراحل العلاج، لكننا لم نتمكن من ذلك"، قد تبدو الكلمات بسيطة، لكنها تختصر سنوات من الانتظار والقلق، فالأم لا تنتظر موعدا عاديا مع طبيب، وإنما تنتظر فرصة لاستكمال رحلة علاج بدأت منذ الأيام الأولى من حياة طفلها وتوقفت قسرًا بسبب الحرب.

ومع مرور الوقت، يكبر واجد لكن الطفولة لا تنتظر، كان من المفترض أن يدخل الروضة والمدرسة، واليوم، يبلغ واجد من العمر خمس سنوات ونصف السنة، وهي مرحلة يبدأ فيها الطفل الاستعداد للروضة والمدرسة، ويتعلم تدريجيا الاعتماد على نفسه في كثير من تفاصيل حياته اليومية، لكن يدي الطفل لا تمكنانه من القيام بهذه التفاصيل بالصورة التي يحتاج إليها طفل في مثل عمره.

تقول والدته: "كان من المفترض أن يدخل الروضة والمدرسة، ويعيش مثل بقية الأطفال، لكنه لا يستطيع التعامل بيديه بصورة طبيعية"، وبالنسبة إلى الأم، لا تتعلق المشكلة بالمظهر وحده، وإنما بوظيفة اليدين وقدرة طفلها على الاعتماد على نفسه، فهي تريد أن يتمكن واجد من الإمساك بالأشياء واستخدام يديه في حياته اليومية، وأن يذهب إلى المدرسة دون أن تتحول حالته الصحية إلى عائق دائم أمام تعلمه وحياته، لكن العلاج الذي بدأ منذ سنوات توقف، بينما يستمر الطفل في النمو.

غزة لا يتوافر فيها شيء

تزداد معاناة واجد بسبب الواقع الصحي الصعب في غزة، وما تعانيه المنظومة الطبية من نقص حاد في الإمكانات والأدوية والعلاجات اللازمة للعديد من الحالات، حيث تقول والدته: "غزة لا يتوافر فيها شيء، لا أدوية ولا علاج"، وفي ظل هذه الظروف، أصبحت حاجة واجد إلى العلاج خارج القطاع أكثر إلحاحا، لاسيما أنه يحتاج إلى رعاية طبية متخصصة لاستكمال المراحل العلاجية المتعلقة بحالته.

وتبحث الأسرة عن أي وسيلة يمكن أن تعيد طفلها إلى المسار العلاجي الذي انقطع بسبب الحرب، حيث لا تطلب والدته أكثر من فرصة لاستكمال علاج ابنها، بعدما قطعت الحرب الطريق أمام رحلة علاج بدأت منذ ولادته.




أخبار اليوم السابع على Gogole News تابعوا آخر أخبار اليوم السابع عبر Google News
قناة اليوم السابع على الواتساب اشترك في قناة اليوم السابع على واتساب



الرجوع الى أعلى الصفحة