في سوق تتنافس فيه شركات المحمول على جذب العملاء وزيادة الإيرادات، يبقى السؤال الأهم الذي لا تجيب عنه الحملات الدعائية والعروض المتلاحقة: ماذا يحصل العميل في المقابل؟ فالمستخدم لا يشتري جيجابايت أو دقائق فقط، وإنما يدفع مقابل خدمة يفترض أن تكون مستقرة، وشبكة تعمل بكفاءة، وخدمة عملاء تستمع إلى مشكلته وتتعامل معها باعتباره عميلًا له حقوق، وليس مجرد رقم في قاعدة بيانات.
وتزداد أهمية هذا السؤال في سوق تحقق فيه شركات الاتصالات عوائد وأرباحًا كبيرة من سوق ضخم يصل عدد الخطوط المستخدمه به إلي أكثر منه 126 مليون خط، بينما لا يزال جزء من العملاء يواجه شكاوى تتعلق بجودة الشبكة أو صعوبة الوصول إلى خدمة العملاء أو طول رحلة حل المشكلة، وهنا تصبح المسألة أكبر من مجرد خلاف بين عميل وشركة؛ إنها تتعلق بمفهوم العلاقة بين مقدم خدمة أساسية وبين المستهلك الذي يدفع بصورة مستمرة مقابل الحصول عليها.
وتظهر بيانات الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أن شكاوى خدمات الهاتف المحمول تمثل جزءًا كبيرًا من الشكاوى التي تصل إلى الجهاز، ففي النصف الثاني من عام 2025، تلقى الجهاز 139405 شكاوى من مستخدمي خدمات الاتصالات، كان من بينها 64099 شكوى متعلقة بخدمات الهاتف المحمول، بما يمثل 46% من إجمالي الشكاوى،وبلغت نسبة استجابة المشغلين للشكاوى بعد تصعيدها للجهاز 97%، بمتوسط زمن استجابة بلغ 0.86 يوم.
لكن ارتفاع نسب الاستجابة بعد وصول الشكوى إلى الجهاز لا ينبغي أن يكون هو المعيار الوحيد للحكم على تجربة العميل، السؤال الأهم هو، لماذا اضطر العميل أصلًا إلى تصعيد شكواه؟ وهل كانت المشكلة ستصل إلى الجهاز لو حصل
على استجابة سريعة وفعالة من مركز خدمة العملاء التابع لشركته؟
الجهاز نفسه لا ينظر إلى جودة الخدمة باعتبارها سرعة الإنترنت أو نجاح المكالمة فقط، إذ تشمل استطلاعاته تجربة المستخدم داخل فروع الشركات، ووقت الانتظار، وتنوع الباقات والعروض، وجودة الصوت والإنترنت، وخدمة العملاء، وحل الشكاوى، ودقة المحاسبة.
وفي أحدث نتائج منشورة لاستطلاع رأي مستخدمي خدمات المحمول، تراوحت مؤشرات خدمة العملاء بين 68% و80% بين الشركات الأربع، بينما تراوحت مؤشرات حل الشكاوى بين 63% و75%.
وهذه الأرقام تقول إن هناك مساحة كبيرة للتحسن، حتى بالنسبة للشركات التي تتصدر بعض المؤشرات، فالعميل لا ينبغي أن يضطر إلى معرفة أرقام الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات أو اللجوء إلى جهة تنظيمية حتى يحصل على حقه في تفسير مشكلة أو إصلاح خدمة أو حل نزاع بسيط مع مقدم الخدمة.
المشكلة تصبح أكثر وضوحًا عندما يشعر العميل بأن مستوى الاهتمام بالخدمة يختلف باختلاف قيمة العميل أو الباقة التي يدفعه، فمن الطبيعي أن تقدم الشركات مزايا إضافية للعملاء ذوي الإنفاق المرتفع، لكن ذلك لا يعني أن يتحول العميل العادي إلى عميل من الدرجة الثانية، والحد الأدنى من جودة الشبكة وسرعة الاستجابة والقدرة على الوصول إلى خدمة العملاء وحل الشكوى يجب أن يكون حقًا أصيلًا لجميع العملاء، بصرف النظر عن حجم إنفاقهم.
فالعميل الذي يدفع اشتراكًا شهريًا محدودًا لا يدفع "جزءًا" من حقه في الخدمة، وإنما يدفع مقابل خدمة كاملة وفق الشروط المعلنة، وإذا كانت الشركات تريد بناء ولاء طويل الأجل، فإن الطريقة ليست فقط بإغراء العميل بعرض جديد، وإنما بأن تجعله يشعر بأن مشكلته مهمة حتى لو لم يكن من كبار العملاء.
وهنا تظهر المسؤولية المجتمعية لشركات المحمول من زاوية مختلفة، فالمسؤولية المجتمعية ليست فقط تمويل مستشفى أو إطلاق مبادرة تعليمية أو توزيع مساعدات، رغم أهمية هذه الأنشطة، وإنما تبدأ أيضًا من النشاط الأساسي للشركة نفسها: هل تقدم الخدمة التي يدفع المستخدم مقابلها بالجودة المطلوبة؟ وهل تحترم وقته وبياناته وحقوقه؟ وهل توفر له قناة حقيقية وفعالة للحصول على المساعدة؟
وفي قطاع يعتمد عليه المواطن في العمل والتعليم والتحويلات البنكية والتواصل والحصول على الخدمات الحكومية، تصبح جودة الاتصالات جزءًا من جودة الحياة اليومية، وبالتالي فإن الاستثمار في الشبكات وتحسين خدمة العملاء وسرعة حل الشكاوى يمكن النظر إليه باعتباره أحد أهم أشكال المسؤولية تجاه المجتمع، وليس مجرد تكلفة تشغيلية.
والجهاز القومي لتنظيم الاتصالات يتحرك بالفعل في هذا الاتجاه؛ فهو يجري قياسات ميدانية شهرية لجودة شبكات المحمول تشمل خدمات الصوت والإنترنت، وينشر نتائجها بصورة دورية، كما أقر آليات لجزاءات الجودة وقعت عليها شركات المحمول الأربع، بحيث توجه قيمة مضاعفة للجزاءات المالية المقررة في حال مخالفة معايير الجودة إلى تحسين التغطية والجودة وفق آليات يحددها الجهاز.
وبالتالي، فإن المنافسة الحقيقية في سوق المحمول لا ينبغي أن تكون على العروض الأكثر جاذبية فقط، وإنما على من يقدم أفضل تجربة متكاملة للعميل: شبكة مستقرة، سرعة مناسبة، خدمة عملاء تستجيب، وشكوى تجد طريقها إلى الحل دون معاناة.
فمليارات الإيرادات والأرباح في أكبر سوق في الشرق الأوسط وأفريقيا تعني أن الشركات نجحت في بناء نشاط تجاري ضخم، لكن النجاح التجاري لا يعفيها من سؤال بسيط: هل يشعر العميل، الذي يصنع هذه المليارات، بأنه يحصل على الخدمة التي يستحقها؟